المجتمع·

خلف جدران الصمت… قصة إل عليا

لم يكن على جسده أي كدمات أو جروح يمكن للآخرين رؤيتها. جروحه عميقة جدًا لدرجة أنها لا تُرى: كلمات تتكرر كل يوم، كرامة تتآكل في الصمت...

PC
Points Chaudsمترجم من الفرنسية
اقرأ على Points Chauds
صورة Points Chauds

Il ressort que جروحها كانت عميقة لدرجة لا يمكن رؤيتها: كلمات تتكرر كل يوم، كرامة تُهدر في صمت، امرأة تبدأ بفقدان الثقة في نفسها، حتى اليوم الذي رأت فيه خوفها ينعكس في عيني ابنتها الصغيرة. اسمي إل عليا. أعيش فيما يُسمى الآن «ما وراء مدريد».

قد أمر أمامك في الشارع دون أن تلاحظ شيئًا على وجهي. ربما ترى امرأة عادية، مشغولة بأطفالها وشؤون منزلها، تبتسم عندما يبتسم الآخرون وتجيب على أسئلتهم بأن كل شيء على ما يرام. لكن ما لا يعرفه أحد هو أنني كنت أحمل في داخلي قصة لم أجرؤ على سردها، وأنه خلف أبواب منزلي كان يدور صراع صامت لا يترك آثارًا مرئية على الجسد، لكنه ترك في الروح ندوبًا عميقة.

لم يبدأ ذلك في يوم واحد. كان كشق في جدار لا يلاحظه أحد: كلمة جارحة هنا، إهانة هناك، ثم تقليل مستمر من قيمتي ورأيي ومشاعري. لم يترك زوجي لي مساحة للتعبير دون أن أشعر بالخطأ أو المبالاة، لدرجة أنني كنت أتردد قبل الكلام وأحسب كل حركة أخاف أن تتحول أبسط مناقشة إلى فرصة جديدة لإهانتي.

في البداية، كنت أبحث له عن أعذار. كنت أقول إن الغضب يدفع أحيانًا إلى قول ما لا نفكر فيه، وإن ضغوط الحياة والمسؤوليات قد تجعل العلاقة أكثر توترًا. كنت أستذكر نصائح والدتي عن الصبر والحفاظ على الأسرة، وأقنع نفسي أن المرأة الحكيمة هي التي تعرف كيف تعبر العواصف وتحافظ على بيتها.

فصمتت. صمتت عندما جُرحت كرامتي، وابتلعت دموعي في لحظات لم يطلب أحد فيها ما كان يؤلمني. كلما اخترت الصمت، كنت أظن أنني أتجنب مشكلة جديدة، بينما كنت أفقد قليلًا من ثقتي بنفسي.

مع الوقت، عشت في حالة دائمة من الحذر والانتظار. كنت أراجع كلماتي قبل أن أنطق بها، وأعيد تفاصيل المواقف في رأسي، وأسأل نفسي إذا كنت مخطئة. الأصعب أنني بدأت أصدق جزءًا مما يُقال لي: عندما يسمع الشخص باستمرار أنه لا يُفهم وأن رأيه لا قيمة له، قد يصل إلى الشك حتى في أبسط أحكامه.

كنت أمًا لعدة أطفال، وكانت مسؤولياتي تجاههم تملأ أيامي. كنت أحاول أن أقدم لهم حياة طبيعية، أن أخفي عنهم ما أستطيع من ألمي وأظهر القوة أمامهم، حتى في الأيام التي شعرت فيها أنني لم أعد أملك القوة لنفسي. كنت أظن أن الأطفال لا يفهمون ما يحدث ما لم أتحدث أمامهم عما أشعر به، ولم أدرك أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى كلمات لي ينتقل إليهم.

ثم جاءت تلك الليلة التي غيرت نظرتي لحياتي تمامًا. ارتفعت الأصوات مرة أخرى في المنزل، وعادت الكلمات القاسية التي اعتدت أن أسمعها. وسط كل ذلك، سقطت عيني على ابنتي الصغيرة، البالغة من العمر أربع سنوات، متقلبة في زاوية الغرفة، ركبتيها محنطتين على صدرها، تنظر إلينا بعيون مليئة بالخوف.

توقفت لحظة. لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها جوًا متوترًا في المنزل، لكن نظرتها أجبرتني على مواجهة حقيقة كنت أهرب منها منذ زمن. رأيت فيها شيئًا أعرفه جيدًا: ذلك الخوف الذي اعتدت إخفائه، ذلك الارتباك الذي عشته، والرغبة في أن يتوقف الألم دون أن أقول كلمة.

للمرة الأولى، لم أفكر فقط في نفسي. تساءلت: ماذا سيتعلم ابنتي برؤيتي أتحمل الإهانة بصمت؟ هل ستكبر معتقدة أن خفض المرأة أمر طبيعي، وأن عليها أن تتنازل عن كرامتها للحفاظ على عائلتها؟ وماذا عن أطفالي الآخرين الذين يرون ما يحدث دون أن يستطيعوا فهمه أو تغييره؟ كان هذا اللحظة أكثر ألمًا من كل الكلمات التي سمعتها على مدار السنوات الماضية. همست لنفسي: «تحملت الكثير، وكنت أعتقد أن صمتي يحمي منزلي.

لكن لا أريد أن يكبر أطفالي معتقدين أن الإهانة أمر طبيعي، ولا أريد أن تتعلم ابنتي أن الخوف هو قدر المرأة». أدركت حينها أن صمتي لا يحمي أطفالي كما ظننت، وأن العنف لا يحتاج إلى ضربات أو اعتداء جسدي ليترك آثارًا في الأسرة. هناك كلمات تدمر ثقة الشخص في نفسه، وإهانات قد تترك في الروح جروحًا أعمق من أي أثر مرئي.

ومع ذلك، لم يكن الاعتراف بما أعيش كافيًا للخطوة التالية. كان عليّ أن أواجه خوفًا آخر: خوف المجتمع والأحكام التي تلاحق المرأة عندما تتحدث عن مشاكلها الزوجية. كنت أخشى أن أضطر لتبرير شكواي، وأن يُختزل ما عشته في جملة مألوفة: «كُوني صبورة من أجل أطفالك»، دون أن يسأل أحد عن الثمن النفسي الذي أدفعه كل يوم.

في تلك الفترة، كانت إحدى جاراتي تعمل في مجال الصحافة، تهتم بقضايا المرأة والأسرة، وتملك علاقات مع عدة جمعيات ومنظمات تعمل في مجال حقوق المرأة، ومع الهيئات المعنية بقضايا النساء والأطفال. بعد تردد طويل، قررت أن أتحدث معها وأخرج جزءًا مما كنت أحتفظ به في أعماقي. استمعت إليّ دون حكم أو مقاطعة، ولم تتعامل مع قصتي كأنها مجرد نزاع عائلي عابر.

ساعدتني على فهم أن العنف لا يقتصر على الاعتداء الجسدي: يمكن أن يكون إهانة مستمرة، ازدراء، ترهيب، أو محاولة دائمة لسلب المرأة ثقتها بنفسها وجعلها تشعر بأنها لا قيمة لها. كما عرّفتني على هياكل وجمعيات يمكنها تقديم التوجيه والمساندة للنساء اللواتي يعيشن أوضاعًا مماثلة. لم تكن هذه المحادثة نهاية معاناتي، لكنها كانت بداية استعادة صوتي.

بدأت أفهم أن الصبر لا يعني قبول الإهانة بلا حدود، وأن طلب المساعدة ليس عارًا، وأن كرامتي ليست ثمناً يجب أن أدفعه للحفاظ على عائلتي. اليوم، وأنا جالسة أمام التلفاز وأتابع الأخبار، شعرت بأن قليلًا من الأمل الذي افتقدته منذ زمن طويل يطرق باب قلبي. رأيت نائبات من موريتانيا يقدمن اقتراحًا قانونيًا جديدًا لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات وحمايتهن.

سموه «قانون المودة». توقفت طويلاً عند هذا الاسم. رغم بساطة كلمة «مودة»، إلا أن معناها يفتقد عندما تتحول العلاقة التي يجب أن تقوم على الرحمة والاحترام إلى مساحة للإهانة والهيمنة!

أسعدني رؤية حركة تشريعية وطنية تستند إلى مرجعيتنا الإسلامية وتؤكد أن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على الرفق والرحمة، وأن كرامة الإنسان لا يمكن التفاوض عليها. شعرت، أثناء متابعتي لهذا المشهد، أن الأصوات التي ظلت محبوسة لسنوات داخل المنازل بدأت تجد طريقها إلى الساحة العامة، وأن هناك أملًا في أن تتحول معاناة النساء إلى وعي في المجتمع، ثم إلى حماية قانونية ومؤسسية حقيقية. لم أعد أرى قصتي كألم شخصي فقط؛ أراها جزءًا من قصص الكثير من النساء اللواتي قد يعشن نفس المعاناة دون شجاعة أو فرصة للحديث عنها.

ربما لهذا السبب شعرت أن اسم «مودة» يحمل بالنسبة لي معنى أعمق من مجرد اقتراح قانون: هو تذكير بما يجب أن تكون عليه الأسرة، أن الرحمة لا يمكن أن تترافق مع الإهانة، أن المودة لا تعني هيمنة، وأن الصمت ليس دليلًا على الموافقة. لا أقول إن الطريق أصبح سهلًا، ولا إن سنوات الألم اختفت لأنني قررت التحدث. ما زلت أتعلم استعادة ثقتي بنفسي، وحماية كرامتي، وتوفير بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا لأطفالي.

لكنني لم أعد المرأة التي كانت تبتلع كلماتها خوفًا من مواجهة جديدة. الآن أعلم أن لدي صوتًا، وأن لي الحق في استخدامه. إلى كل امرأة تعيش خلف أبواب مغلقة قصة مشابهة لقصتي، أقول: لا تنتظري أن يترك العنف أثرًا على جسدك لتدركي أنه موجود.

هناك جروح لا يراها أحد، وكلمات تدمر ما لا تستطيع الأيدي تدميره. لا تظني أن التعود على الألم يعني أنه طبيعي، ولا تدعي أحدًا يقنعك أن كرامتك ثمن يجب دفعه للحفاظ على عائلتك. وإلى كل أم: لا تسمحي لأطفالك أن يعتادوا على رؤيتك مكسورة، ولا تجعليهم يظنون أن الخوف هو لغة المنازل أو أن الإهانة جزء من الحياة الزوجية.

شجاعتك في طلب المساعدة والدفاع عن كرامتك قد تكون أول درس يتعلمونه عن الاحترام والأمان. أما أنا، فقد تعلمت أن المودة التي نبحث عنها لا تبدأ فقط بالقوانين، بل بالاحترام للإنسان في بيته والاعتراف بحقه في العيش دون خوف ولا إهانة. آمل أن يكون اقتراح «قانون المودة» خطوة حقيقية نحو مستقبل لا تضطر فيه أي امرأة أخرى إلى انتظار رؤية الخوف في عيني ابنتها لتدرك أنها تستحق حياة أفضل.

فبعض الجدران لا تنهار بالضرب، بل بوزن الكلمات… وبعض الصباحات لا تُشرق فقط في السماء، بل تُولد أولًا في قلب امرأة قررت أخيرًا ألا تصمت بعد الآن. ماريام فاضل عباس.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع