للمدرسة الموريتانية الواقعية: توحيد دون توحيد المظهر: إحياءً لذكرى الأستاذ أمبرويز كفيليك (1948‑2013) / من تأليف به أُولد زين، أستاذ جامعي.
منذ أكثر من ستين عاماً، تُهيمن مسألة اللغات على تقريباً جميع إصلاحات التعليم في موريتانيا. تتغير الحكومات، تُراجع المناهج، وتُعدل التسميات...

Il ressort que il ressort que منذ أكثر من ستين عاماً، سادت مسألة اللغات تقريباً جميع إصلاحات التعليم في موريتانيا. تتغير الحكومات، وتُراجع المناهج، وتتناوب التسميات — تعديل، ثنائية اللغة، التعريب، التوحيد، المدرسة الجمهورية — لكن النقاش يظل قائماً، كما لو أن مستقبل المدرسة يعتمد أساساً على اختيار لغة معينة. إن طريقة طرح المشكلة بهذه الصورة مختزلة.
السؤال الحقيقي ليس أي لغة يجب أن تنتصر على الأخريات، بل كيف نُنظم تكاملها لخدمة التلاميذ، والوحدة الوطنية، وتنمية البلاد. مع أمبروز كفيليك، أظهرت في «المسيرة الطويلة للتعريب في موريتانيا» أن القضية المدرسية قد صقلت مبكراً طموحات ثقافية وسياسية متضاربة. فقد ساعدت المدرسة الاستعمارية على انتشار الفرنسية وأسهمت في ظهور نخب فرنكوفونية، بينما كانت النخب المنبثقة من الثقافة العربية‑الإسلامية مهمشة نسبياً.
سعت الإصلاحات التي تلت الاستقلال إلى تصحيح هذا الاختلال، لكنها بدورها غذت مخاوف المجتمعات السودانية‑الموريتانية التي تخشى أن يؤدي التعريب إلى نوع من الاستيعاب الثقافي. بعد أكثر من نصف قرن من الإصلاحات الأولى، ما زال السؤال قائماً: كيف نبني مدرسة تُظهر الهوية العربية‑الإسلامية لموريتانيا دون تهميش لغات وثقافات البُلَار، السونينكي والولوف، مع الحفاظ على مكانة الفرنسية التي لا تزال ضرورية في جزء من التعليم العالي، والعلوم، والحياة المهنية؟ في نظري، النقاش غير مُصاغ بشكل صحيح. الاختيار ليس بين التعريب الكامل أو الحفاظ على نظام يهيمن عليه الفرنسية.
الطريق الوحيد المستدام هو تعدد اللغات المنظم، التدريجي والعملي، حيث تجد كل لغة وظيفتها دون أن تُنظر إليها كخصم للآخر. **واقع لغوي يُنظر إليه بلا شغف** موريتانيا دولة متعددة اللغات. هذا أمر بديهي سوسيولوجياً حوله النقاش العام كثيراً إلى صراع.
هناك مجموعتان لغويتان رئيسيتان تُشكلان البلاد. الأولى، الأغلبية الواضحة، تجمع السكان العرب‑البربر والهراتين، الذين لغتهم اليومية هي الحسانية. هذه النسخة من العربية، القريبة من العربية الفصحى في جزء من مفرداتها وتركيبها، ارتوت من اتصالها بالأمازيغية الزناغية واللغات الأفريقية المجاورة.
الثانية تشمل أساساً المتحدثين بالبولار، السونينكي والولوف. رغم أنهم أقل عدداً، فإنهم يعتبرون لغاتهم عناصر أساسية لهويتهم وإرثهم الوطني. مخاوفهم معروفة: أن يؤدي التعريب المصمم كموحّد لغوي إلى إضعاف ثقافاتهم تدريجياً.
في هذا الإطار تُنظر إلى الفرنسية أحياناً كلغة حيادية، أو كحماية ضد الاستيعاب. الإطار القانوني يعكس هذا التنوع. الدستور يعترف بالعربية، البولار، السونينكي والولوف كلغات وطنية، مع جعل العربية اللغة الرسمية.
الفرنسية لم تعد تحمل صفة رسمية، لكنها تظل لغة عمل، تدريب وتعليم علمي. هنا يكمن التناقض الموريتاني. الفرنسية غائبة قانونياً، وأقلية اجتماعياً، لكنها لا تزال ضرورية في جزء من التعليم العالي، والإدارة، والقطاعات التقنية، والتبادل الدولي.
ومع ذلك، يتراجع مستوى إتقانها. الجيل الذي تعلمها في ظروف جيدة يقترب الآن من نهاية مسيرته المهنية، في حين يخرج الكثير من الشباب من المدرسة بمستوى غير كافٍ لمتابعة الدراسات العلمية بسهولة. هذه الحقيقة تمنع الإجابات السطحية.
بل تدعو إلى الخروج من منطق المعارضة بين اللغات. **تجاوز نقاش زائف** منذ الاستقلال، تُصوَّر السياسة اللغوية غالباً كخيار حصري: تعزيز العربية أو الحفاظ على الفرنسية. هذه الصياغة مضللة.
لا يمكن لأي لغة أن تتطور بشكل مستدام بإزالة أخرى. أكثر المجتمعات فعالية هي تلك التي تُعطي لكل لغة وظيفة واضحة. العربية بطبيعتها ستظل اللغة الرسمية للدولة، للمواطنة، وللتقليد الفكري والديني الذي يُشكل أحد أسس الهوية الوطنية.
الفرنسية، من جانبها، تحتفظ بفائدة لا يمكن إنكارها. فهي تفتح باب الوصول إلى إنتاج علمي هائل، وتُسهل العلاقات مع جزء كبير من أفريقيا الفرنكوفونية، وتستمر في الظهور في العديد من المجالات التقنية، الاقتصادية والجامعية. السؤال الأساسي ليس أي لغة ستتفوق، بل ما هي الوظيفة التي يجب أن تُعطى لكل منها لضمان نجاح التلاميذ وتلبية احتياجات البلاد؟ من هذا التساؤل يمكن بناء سياسة لغوية واقعية.
**إعطاء كل لغة وظيفتها** السياسة اللغوية الفعّالة لا تعني معارضة اللغات، بل تحديد دور كل منها بوضوح. فقط بهذه الطريقة يصبح التعدد اللغوي ميزة لا مصدر توتر. **اللغة الأم: أداة التعلم الأولى** تتفق البحوث في علوم التربية على نقطة: يتعلم الطفل بسهولة أكبر عندما يكتشف المعارف الأولى باللغة التي يتحدثها يومياً.
هذه الحقيقة تنطبق على جميع الأطفال الموريتانيين، سواء كانوا حسانيين، بولاريين، سونينكيين أو ولوفيين. لا يعني ذلك جعل اللغة الأم هي اللغة الوحيدة للتعليم أو حصر كل تلميذ في انتمائه اللغوي. دورها أبسط وأكثر حاسماً: تسهيل اكتساب القراءة، الحساب والمعارف الأساسية قبل أن يُرافق التلميذ تدريجياً إلى لغات المدرسة.
بالنسبة للأطفال الحسانيين، يجب أن تأخذ الانتقال في الاعتبار القرب بين الحسانية والعربية الفصحى دون الخلط بينهما. الأولى هي لغة الحياة اليومية؛ الثانية هي لغة الكتابة، الإدارة، الثقافة والتعليم. الانتقال من إحداهما إلى الأخرى يتطلب بيداغوجيا مناسبة.
بالنسبة للتلاميذ الذين لغتهم الأولى هي البولار أو السونينكي أو الولوف، المنطق هو نفسه: الانطلاق من اللغة التي يتقنونها لبناء تعلم ثابت قبل توسيع مهاراتهم اللغوية تدريجياً. هذا التوجه يتماشى مع روح قانون 2022. ما يزال يتعين توفير الوسائل لتحقيقه: تكوين المعلمين، وضع مصطلحات متناسقة، إنتاج كتب جودة، وتقييم التجارب قبل تعميمها.
**العربية: لغة مشتركة للأمة** في بلد تكون العربية فيه اللغة الرسمية، من الشرعي أن يكتسب جميع التلاميذ إتقاناً قوياً لها. هذا الشرط لا يتعارض مع التنوع اللغوي للبلاد؛ بل هو العامل الرئيسي للوحدة. يجب تدريس العربية كلغة تواصل، ثقافة، معرفة ومواطنة.
لا يمكن أن تصبح رمزاً لهيمنة ثقافية تُهدر إلتزام من لا يتحدثونها كلغتهم الأولى. كما أنه غير واقعي تطبيق نفس الأساليب على جميع التلاميذ. الطفل الحساني لا يواجه العربية بنفس الظروف التي يواجهها طفل لغته الأولى هي البولار أو السونينكي أو الولوف.
مسارات مختلفة، تؤدي إلى نفس أهداف الإتقان، ستلبي متطلبات البيداغوجيا بصورة أفضل. **الفرنسية: لغة العلوم والانفتاح** النقاش حول الفرنسية غالباً ما يُقيد بأفكار أيديولوجية. لكن السؤال أصلاً تربوي.
تظل الفرنسية ضرورية في جزء من التعليم العالي، البحث، المهن التقنية، والتبادل مع العديد من شركاء موريتانيا. إقصاؤها دون بدائل تشغيلية بالكامل سيُضعف التلاميذ بدلاً من خدمتهم. يجب إعادة التفكير في تدريسها.
إذا أُدخلت مبكراً في التعليم، يجب أن تُعطى أولوية للعبارة الشفوية والتواصل قبل أن تُقود تدريجياً التلاميذ إلى القراءة، الكتابة والمفردات العلمية. الانتقال إلى تدريس جزئي للعلوم بالفرنسية لا يمكن أن يكون إلا تدريجياً. وإلا سيُطلب من التلاميذ تعلم مواد معقدة بلغة لا يتقنونها بعد بما يكفي، ما يُهدد تعلم اللغة والعلوم معاً.
الواقعية الحقيقية تكمن في الحفاظ على الدور العلمي للفرنسية مع تحسين تدريسها وإعداد الظروف على المدى الطويل لتحقيق استقلالية لغوية أكبر. **تعلم لغة الآخر** الأمة لا تُبنى فقط حول لغة مشتركة. تُقوى أيضاً عندما يقر كل فرد باكتشاف لغة وثقافة الآخر.
في موريتانيا، لا يمكن أن يُعتمد هذا الجهد فقط على الأقليات اللغوية. إذا تعلم تلاميذ البولار، السونينكي أو الولوف العربية، فمن المرغوب أن يتعرف التلاميذ الحسانيون على إحدى اللغات الوطنية الأخرى على الأقل. هذه المعاملة المتبادلة لها وزن رمزي كبير.
إنها تعني أن التعدد اللغوي ليس تنازلاً يُمنح لمجموعة قليلة، بل تراثاً مشتركاً يخص الأمة بأسرها. ينص قانون 2022 على أن يتعلم التلاميذ العربيون على الأقل إحدى اللغات الوطنية الأخرى. هذا الاتجاه ملائم، بشرط أن يبقى متوافقاً مع القدرات الفعلية للنظام التعليمي.
الهدف ليس تكوين تلاميذ يتقنون خمس أو ست لغات بطلاقة؛ فمثل هذا الطموح غير واقعي. من الأنسب استهداف كفاءة أساسية في التواصل، مرفقة باكتشاف التاريخ، الأدب الشفهي وتقاليد المكونات الأخرى للأمة. يمكن لتلميذ من نواكشوط أن يكتسب مفاهيم عن البولار أو الولوف؛ وتلميذ من سيلبابي أن يُعرف على السونينكي؛ وطفل غير ناطق بالعربية أن يتعلم العربية بالتوازي.
هذه المعرفة المتبادلة ستُعزز الوحدة الوطنية أكثر من أي خطاب عن الوحدة. **مدرسة واحدة، معرفة واحدة** التعدد اللغوي لا يجب أن يؤدي إلى وجود عدة مدارس موريتانية كل منها يعمل في عالمها الخاص. بغض النظر عن وسائط التدريس، يجب أن يحصل جميع التلاميذ على نفس المعرفة، ويستعدوا لنفس الشهادات، ويُقيموا وفق نفس المتطلبات.
يمكن أن تختلف اللغات؛ يجب أن تظل أهداف التدريب موحدة. هذا الأمر مهم بشكل خاص في تدريس التاريخ. يجب أن يعكس التاريخ جميع مكونات البلاد: المدن القوافلية القديمة، المدارس الدينية، التراث العرب‑البربري، مجتمعات النهر، تقاليد البولار، السونينكي والولوف، ذاكرة العبودية وتداعياتها، والعلاقات التاريخية مع المغرب، الساحل وغرب أفريقيا.
لا مهمة المدرسة هي وضع ذكريات متنافسة جنباً إلى جنب؛ بل بناء ذاكرة وطنية تُدمج جميع مكونات المجتمع الموريتاني. يجب أن يدرك كل تلميذ أن تاريخ الآخر أصبح الآن جزءاً من تاريخه الخاص. **الواقعية قبل الإعلانات** الخطر الرئيسي في إصلاح لغوي هو الرغبة في التقدم أسرع من الإمكانات المتوفرة.
إقرار تدريس متعدد للمواد بالعربية، الفرنسية، البولار، السونينكي والولوف دون معلمين مؤهلين، موارد تربوية ملائمة أو كتب كافية سيُضعف نظاماً تعليمياً يواجه أصلاً صعوبات كثيرة. أي إصلاح جاد يجب أن يكون تدريجياً. ينبغي أن يبدأ بتجارب في مناطق تمثيلية، تُصاحبها تقييم مستقل للنتائج، برنامج واسع لتدريب المعلمين، وجهد مستمر لإنتاج موارد تعليمية مطبوعة ورقمية.
شرط آخر هو تمييز الكفاءات الموضوعية عن الكفاءات اللغوية. لا يجب أن يُصنّف تلميذ ضعيف في الرياضيات لمجرد أنه لا يتقن اللغة التي تُعرض فيها المسألة. خلط هذين البعدين يُشوش التقييم، وبالتالي سياسات التعليم الناشئة.
**تكوين نخبة متعددة اللغات حقيقية** لفترة طويلة، ساهمت المدرسة الموريتانية، أحياناً دون قصد، في تكوين نخبتين لا تتواصلان بسهولة. إحداهما عربية، متجذرة بعمق في الثقافة الوطنية لكن أحياناً بعيدة عن بعض المعارف العلمية أو التقنية. الأخرى فرنكوفونية، تتقن أدوات الحداثة لكنها تُظهر، في نظر الكثيرين، ارتباطاً أقل بالواقع اللغوي والثقافي للبلاد.
هذا الوضع غير مُرضٍ لأي طرف. لا تحتاج موريتانيا إلى نخبتين متوازيتين؛ بل إلى جيل يستطيع الانتقال بطبيعية بين عدة عوالم لغوية وثقافية. يجب أن يكون الهدف واضحاً: تكوين مواطنين يتقنون العربية بالكامل، قادرين على الدراسة، العمل والبحث بالفرنسية، يعرفون على الأقل لغة وطنية أخرى، ويملكون أساساً في الإنجليزية التي أصبحت الآن ضرورية في البحث العلمي، التكنولوجيا والتبادل الدولي.
بطبيعة الحال، لن يصل جميع التلاميذ إلى نفس المستوى في كل هذه اللغات. الأهم هو وضع قاعدة مشتركة واقعية تسمح للجميع بمتابعة دراستهم، الوصول إلى سوق العمل، والمشاركة الفاعلة في الحياة الوطنية. **الواقعية كمبدأ** في جوهرها، يُقابل النقاش اللغوي في موريتانيا غالباً مواقف مبدئية.
البعض يحلم بتعريب كامل؛ وآخرون يخشون أي تطور قد يقلل من مكانة الفرنسية. بين هذين الرؤيتين توجد مسار واقعي: لا تُقاس السياسة اللغوية بالمكانة الرمزية التي تُمنح لكل لغة، بل بالنتائج التي تُحققها. هل تُحسّن تعلم الأطفال؟ هل تقلل الفوارق؟ هل تُعدّ الشباب للجامعات، الوظائف والمواطنة؟ يجب أن تُجيب على هذه الأسئلة.
في هذا الإطار، تجد اللغة الأم مكانها الطبيعي في المراحل الأولى من التعلم؛ العربية تُثبت نفسها كلغة مشتركة للدولة والمواطنة؛ الفرنسية تبقى لغة معرفة، انفتاح وتدريب علمي؛ اللغات الوطنية الأخرى تصبح أدوات نقل ثقافي، حوار وتقريب بين الموريتانيين. ربما لا تُرضي هذه التوزيعات المتطرفين، لكن التجربة تُظهر أن السياسات التي تستبعد لغة أو مجتمع لا تُنتج ولا وحدة وطنية ولا نجاحاً مدرسياً. التعريب لا يجب أن يعني إمحاء البولار، السونينكي أو الولوف.
تعزيز هذه اللغات لا ينبغي أن يُطرح كمعارضة للعربية. أما الفرنسية، فلا يجب أن تظل امتيازاً لأقلية، بل أداة تدريب متاحة لكل من يحتاجها. **الخاتمة** لم تعد المدرسة الموريتانية مضطرة للاختيار بين الهوية والحداثة، بين العربية والفرنسية، بين الأغلبية والأقليات.
مهمتها أكثر تطلباً: تحويل هذا التنوع اللغوي إلى ثروة تعليمية لا إلى سبب للانقسام. المدرسة الوطنية الحقيقية ليست التي تفرض لغة واحدة. إنها التي تضمن لكل طفل، بغض النظر عن لغته الأم، وصولاً متساوياً إلى المعرفة، الشهادات، المسؤوليات والمواطنة.
لن تربح موريتانيا معركتها التعليمية بتعارض لغاتها. ستربحها بمنح كل لغة المكان الذي يحدده التاريخ، البيداغوجيا والمصلحة الوطنية. بهلول زين.