حدث وتعليق/ منتدى الجاليات.. الرئيس الغزواني يؤسس لشراكة وطنية عابرة للحدود
لم يكن خطاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بمناسبة افتتاح منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، اليوم الجمعة بنواكشوط، مجرد كلمة ترحيبية بمناسبة تجمع وطني يضم ممثلين عن الموريتان...

Il ressort que لم يكن خطاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بمناسبة افتتاح منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، اليوم الجمعة بنواكشوط، مجرد كلمة ترحيبية بمناسبة تجمع وطني يضم ممثلين عن الموريتانيين في مختلف قارات العالم، بل حمل رؤية متكاملة لمستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها في المهجر، وأسس لتوجه جديد عنوانه الانتقال من الرعاية الإدارية للجاليات إلى الشراكة المؤسسية في بناء الوطن وصناعة مستقبله. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تنظر إلى الهجرة باعتبارها امتدادا للحضور الوطني خارج الحدود، وفرصة استراتيجية لتوسيع دائرة المشاركة في التنمية، والاستفادة من الرصيد البشري والعلمي والاقتصادي الذي يمثله الموريتانيون في الخارج، بما يمتلكونه من خبرات وتجارب وعلاقات مهنية وتجارية تراكمت عبر سنوات من العمل والإقامة في بيئات دولية متنوعة. ومن هذا المنطلق، جاء تأكيد رئيس الجمهورية على أن تنظيم المنتدى يعكس إرادة وطنية للارتقاء بالعلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج إلى مستوى أكثر تنظيما وفعالية، يقوم على التشاور المستمر، وصون الحقوق، وتيسير الخدمات، وتعبئة الكفاءات، وتوسيع فرص المشاركة في التنمية الوطنية.
وهي مقاربة تعكس إدراكا لأهمية الرصيد الذي تمثله الجاليات، وأن الانتماء الوطني لا تحده الجغرافيا، وأن المواطن الموريتاني المقيم في الخارج يظل جزءا أصيلا من النسيج الوطني، وشريكا في مسؤولية المحافظة على مصالح البلاد وتعزيز حضورها وإشعاعها. ومن أبرز ما ميز خطاب الرئيس الغزواني اليوم أنه لم يقدم العلاقة مع الجاليات باعتبارها مجرد التزام أخلاقي أو عاطفي، وإنما ربطها بإجراءات مؤسسية وقانونية وإدارية تستهدف معالجة الإشكالات التي ظلت تواجه المواطنين في الخارج. وفي هذا السياق، استحضر الرئيس جملة من الإجراءات التي اتخذتها الدولة، من بينها إعادة تنظيم القطاع المكلف بالشؤون الخارجية وإبراز اختصاصه المتعلق بالموريتانيين في الخارج، وتعديل قانون الجنسية بما يتيح ازدواجيتها وفق الضوابط القانونية، وتعزيز المشاركة السياسية للجاليات من خلال انتخاب ممثليها في الجمعية الوطنية بصورة مباشرة.
كما توقف عند تحديث الخدمات القنصلية ورقمنتها، وما أتاحه تطبيق «هويتي» من تسهيل للحصول على الوثائق المدنية، وتجاوز عدد من العراقيل الإدارية التي كانت تؤرق المواطنين في المهجر. وتكشف هذه الإجراءات عن توجه نحو بناء علاقة مؤسسية أكثر استجابة لاحتياجات الجاليات، تقوم على الانتقال من المعالجة الظرفية للمشكلات إلى تطوير آليات دائمة للتواصل والحماية والخدمة والتمثيل. وهي خطوة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى تنوع الجاليات الموريتانية واختلاف ظروفها القانونية والاجتماعية والاقتصادية من بلد إلى آخر.
غير أن البعد الأكثر ارتباطا بمستقبل التنمية في الخطاب الرئاسي تمثل في الدعوة إلى توظيف الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية للموريتانيين في الخارج، وعدم حصر علاقتهم بالوطن في حدود التحويلات المالية أو الارتباط العاطفي. فقد دعا الرئيس رجال الأعمال والمستثمرين من أبناء الجاليات إلى اغتنام الفرص التي يتيحها الاقتصاد الوطني، والمساهمة في خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، ودعم التنمية المحلية، كما دعا الكفاءات الوطنية إلى الإسهام في تطوير المؤسسات وتعزيز البحث العلمي والابتكار. وتحمل هذه الدعوة أبعادا اقتصادية مهمة، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره الجاليات من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ليس فقط من خلال رؤوس الأموال والمدخرات، وإنما أيضا عبر الخبرات المهنية والتقنية، والعلاقات التجارية، والقدرة على فتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات الموريتانية.
فالموريتانيون في الخارج يمثلون، بحكم انتشارهم في بيئات اقتصادية وثقافية متنوعة، جسورا طبيعية للتواصل مع الأسواق الدولية، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في البلاد، واستقطاب الشراكات، وتطوير المبادلات التجارية. ومن شأن استثمار هذه الإمكانات أن يعزز جهود الدولة في تنويع الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الاستثمار الخاص، وخلق فرص العمل، وتحويل الروابط التي تجمع المغتربين بوطنهم إلى مشاريع إنتاجية ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. ولا شك أن بلوغ هذه الغاية يتطلب توفير بيئة جاذبة للاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وضمان الشفافية، وتطوير آليات حماية الاستثمارات وتسهيل التحويلات المالية والمعاملات التجارية، وهي مجالات تكتسب أهمية خاصة في سياق الدعوة الرئاسية إلى جعل الجاليات شريكا اقتصاديا فاعلا.
وإذا كانت رؤوس الأموال تمثل أحد أوجه القوة الاقتصادية للجاليات، فإن الكفاءات العلمية والمهنية التي يضمها الموريتانيون في الخارج تمثل رصيدا لا يقل أهمية. فثمة خبرات وطنية راكمت تجارب معتبرة في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الطبية والهندسية والمالية والتكنولوجية، ويمكن أن تشكل إضافة نوعية لمسار تحديث المؤسسات الوطنية وتطوير أدائها. ومن هنا تبرز أهمية دعوة الرئيس إلى إشراك الكفاءات في تطوير مؤسسات الوطن وتعزيز البحث العلمي والابتكار، باعتبارها دعوة إلى تجاوز التصور التقليدي للهجرة، الذي ينظر إليها أحيانا باعتبارها فقدانا للموارد البشرية، نحو تصور أكثر انفتاحا يجعل من الانتشار الجغرافي للكفاءات فرصة لتبادل المعرفة ونقل التجارب وبناء الشراكات العلمية والمهنية.
ويمكن أن يشكل المنتدى منطلقا لتأسيس آليات دائمة للتواصل بين الكفاءات الموريتانية في الخارج والجامعات والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، بما يتيح الاستفادة من خبراتها بصورة منتظمة، سواء عبر المشاريع المشتركة أو التكوين أو الاستشارات أو نقل التكنولوجيا. ولم يغفل خطاب رئيس الجمهورية البعد الوطني والوجداني للعلاقة مع الجاليات، حيث استحضر الدور الذي اضطلع به المهاجرون الموريتانيون عبر التاريخ في نشر المعرفة وإبراز الصورة الحضارية للبلاد، كما أشاد بمواقفهم خلال أزمة جائحة كوفيد-19، حين بادروا إلى دعم وطنهم بمهاراتهم وعلاقاتهم وإمكاناتهم. وفي هذا السياق، دعاهم إلى مواصلة تمثيل موريتانيا خير تمثيل، وصون سمعتها، وأن يكونوا قوة بناء ورافدا للنهضة وسياجا يحمي وحدة البلاد ولحمة أبنائها.
وتعكس هذه الدعوة إدراكا لأهمية القوة الناعمة التي يمثلها المواطنون في الخارج، فهم سفراء غير رسميين لوطنهم، ومن خلال نجاحاتهم والتزامهم ومشاركتهم الإيجابية في المجتمعات التي يقيمون فيها تتعزز صورة موريتانيا ومكانتها. كما أن تأكيد الرئيس على مسؤولية الجميع في صون الوحدة الوطنية والتصدي لدعوات الفرقة والشقاق يضع الانتماء الوطني في إطاره الجامع، الذي لا يتأثر بالاختلاف في أماكن الإقامة أو تنوع التجارب والمسارات، ويجعل من الجاليات امتدادا للوحدة الوطنية لا مجرد تجمعات منفصلة جغرافيا عن الوطن الأم. إن تنظيم هذه النسخة من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، بمشاركة نحو 700 شخص قدموا من مختلف قارات العالم، يمثل خطوة مهمة في اتجاه مأسسة الحوار بين الدولة ومواطنيها في المهجر.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى المسار التشاوري الذي سبق انعقاد المنتدى، وشمل لقاءات مع الجاليات في 22 دولة موزعة على أربع قارات، بما يؤكد أن التحضير لهذه التظاهرة قد استند إلى محاولة استيعاب انشغالات المعنيين وتحديد أولوياتهم. لقد حرص فخامة رئيس الجمهورية على تحقيق القيمة الحقيقية لهذا الموعد، من خلال توجيهاته السامية إلى تحويل مخرجات المنتدى إلى برامج وإجراءات قابلة للتنفيذ، خصوصا في مجالات تحسين الخدمات القنصلية، وتسهيل الاستثمار، وحماية الحقوق، وتطوير التمثيل السياسي، وربط الكفاءات الوطنية بمؤسسات البلاد، واتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمتابعة تلك المخرجات وإيلائها العناية والاهتمام اللازمين؛ فهذه المتابعة هي التي ستمنح المنتدى استمراريته، وتحول توصياته إلى التزامات عملية، وتؤسس لشراكة دائمة بين الدولة والجاليات، بما يجعل من هذا اللقاء محطة تأسيسية لمسار متواصل من التواصل والتعاون. لقد وضع خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصورا شاملا لرؤية أوسع تجعل من الجاليات جزءا من معادلة التنمية الوطنية، ومصدرا للخبرة والاستثمار والعلاقات الدولية والإشعاع الثقافي.
وهي رؤية تنسجم مع متطلبات المرحلة التي تحتاج فيها موريتانيا إلى تعبئة جميع مواردها البشرية والاقتصادية، والاستفادة من كل طاقاتها الوطنية، داخل البلاد وخارجها، من أجل تسريع وتيرة التنمية وتوسيع فرص الإنتاج والتشغيل. وبذلك، فإن الرسالة الأبرز للمنتدى، كما عكسها خطاب رئيس الجمهورية، هي أن موريتانيا لا تنظر إلى أبنائها في الخارج باعتبارهم مواطنين تفصلهم عنها المسافات، بل باعتبارهم شركاء في حاضرها ومستقبلها، وأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة لا تحدها الحدود، ولا تختزلها الجغرافيا. إنها مقاربة تضع الانتماء الوطني في أفقه التنموي الأوسع، وتحول الانتشار الموريتاني عبر العالم من مجرد واقع اجتماعي وديمغرافي إلى فرصة استراتيجية يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وتطوير المؤسسات، وتوسيع الحضور الموريتاني على الساحة الدولية.
وكالة الوئام الوطني للأنبا