السياسة·

أزمة الاستحقاق البرلماني: حين تتراجع الكفاءة أمام المحاصصة والولاءات

لا تكمن خطورة اختلال التمثيل البرلماني في وصول أشخاص محدودي الكفاءة إلى المؤسسة التشريعية فحسب، بل في تحول المجاملات والولاءات القبلية والجهوية إلى معايير تنافس الكفاءة، وتزاحم الاستحقاق، وتضعف...

AI
Alakhbar.infoالنص الأصلي
اقرأ على Alakhbar.info
صورة Alakhbar.info

Il ressort que لا تكمن خطورة اختلال التمثيل البرلماني في وصول أشخاص محدودي الكفاءة إلى المؤسسة التشريعية فحسب، بل في تحول المجاملات والولاءات القبلية والجهوية إلى معايير تنافس الكفاءة، وتزاحم الاستحقاق، وتضعف القيمة المؤسسية للبرلمان، فعندما يصبح الانتماء أرجح من الأهلية، والولاء مقدما على القدرة، تتحول المسؤولية العامة من أمانة وطنية إلى امتياز توزعه التوازنات الضيقة. إن البرلمان ليس فضاء لاستعراض الخطابة، ولا منصة لتوزيع المكافآت السياسية والاجتماعية، بل مؤسسة تضطلع بوظائف تشريعية ورقابية وتمثيلية بالغة الأهمية. وممارسة هذه الوظائف تقتضي امتلاك حد أدنى من الثقافة الدستورية والقانونية، والقدرة على تحليل النصوص التشريعية، واستيعاب آثارها القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ومناقشة مشاريع القوانين بوعي ومسؤولية، ومساءلة الحكومة استنادا إلى الحجج والمعطيات، لا إلى الشعارات والانفعالات.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري ليس: من وصل إلى البرلمان؟ بل: بأي معايير وصل؟ وما الذي يؤهله للاضطلاع بمسؤولية التشريع والرقابة؟ وهل يستند اختياره إلى قدرته على تمثيل المواطنين وخدمة المصلحة العامة، أم إلى اعتبارات قبلية وجهوية وحسابات انتخابية لا صلة لها بالكفاءة المطلوبة؟ لقد كان المنتظر أن تتعزز معايير الاختيار السياسي بما يضمن التنافس على أساس البرامج والقدرات والجدية، وأن يصبح الوصول إلى المؤسسة التشريعية استحقاقا تبرره الكفاءة السياسية والفكرية، لا نتيجة للمجاملات أو إعادة توزيع النفوذ بين المجموعات. غير أن تغليب الاعتبارات الضيقة يثير مخاوف مشروعة بشأن جودة الأداء التشريعي، وفاعلية الرقابة البرلمانية، وقدرة المؤسسة على الاستجابة لتطلعات المواطنين. ولا ينبغي الخلط بين الحق في الترشح للمناصب الانتخابية وبين الأهلية الفعلية لممارسة مهامها بكفاءة، فالأول تحكمه الشروط الدستورية والقانونية، أما الثاني فيتصل بالقدرات المعرفية والسياسية والعملية التي تجعل النائب قادرا على أداء وظيفته.

كما أن الشهادة العلمية، مهما بلغت قيمتها، لا تكفي وحدها لصناعة مشرع ناجح، مثلما لا يكفي النضال السياسي أو الحضور الاجتماعي لإثبات الكفاءة البرلمانية، فالمعيار الأهم هو القدرة على الفهم والتحليل والتشريع والرقابة، والاستعداد لتحمل المسؤولية العامة. وتتجلى الإشكالية بصورة أوضح عندما تتحول القبيلة والجهة إلى محددات حاسمة في الاختيار، فتتراجع المواطنة الجامعة، ويختزل التمثيل الوطني في حسابات الانتماء والتوازنات، فالنائب بعد انتخابه، ليس ممثلا لمجموعة اجتماعية تطالبه بالولاء، ولا وسيطا لتبادل المنافع، بل صاحب مسؤولية دستورية ووطنية تقتضي منه النظر إلى مصالح المواطنين كافة، واحترام استقلالية وظيفته، وتقديم الصالح العام على الاعتبارات الشخصية والفئوية. إن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند ضعف أداء بعض النواب، بل تمتد إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، وتراجع قيمة العمل السياسي، وإشاعة الاعتقاد بأن الوصول إلى مواقع القرار لا يحتاج إلى كفاءة بقدر ما يحتاج إلى شبكة من الولاءات.

وحين يستقر هذا التصور في الوعي العام، تصبح الكفاءات الجادة أقل إقبالا على المشاركة، ويتحول التنافس السياسي تدريجيا من صراع بين البرامج والرؤى إلى منافسة على النفوذ والتمثيل الاجتماعي. ومن ثم، فإن إصلاح الحياة البرلمانية لا يتحقق بمجرد تغيير الأسماء أو إطلاق الشعارات، وإنما يبدأ بإصلاح معايير الاختيار، وتعزيز وعي الناخبين، وترسيخ ثقافة سياسية تجعل تقييم المرشحين قائما على برامجهم وقدراتهم ومواقفهم، لا على انتماءاتهم وحدها. كما يتطلب رفع مستوى الأداء البرلماني عبر التكوين المستمر في المجالات الدستورية والتشريعية والرقابية، وإخضاع العمل النيابي للمساءلة السياسية والأخلاقية أمام المواطنين.

إن البرلمان الذي تتقدم فيه المحاصصة على الكفاءة، والولاءات على المواطنة، والشعبوية على المعرفة، يفقد جزءا من قدرته على أداء رسالته الدستورية. فالمؤسسة التشريعية لا تقاس بقيمة المقاعد التي تشغلها، ولا بعدد الخطب التي تلقى تحت قبتها، بل بجودة القوانين التي تسنها، وفاعلية الرقابة التي تمارسها، ومدى تعبيرها عن المصالح الحقيقية للمجتمع. وخلاصة القول، إن المسؤولية البرلمانية ليست مكافأة اجتماعية ولا امتيازا قبليا أو جهويا، بل تكليف وطني يستوجب الجدية والأهلية والاستعداد لتحمل أعبائه.

ولا يمكن بناء مؤسسات قوية بعقلية المجاملة، أو تحقيق إصلاح سياسي حقيقي في ظل تقديم الولاء على الاستحقاق. فالمجتمعات لا تتقدم بمجرد ملء المقاعد، وإنما بحسن اختيار من يشغلونها ولا تبنى المؤسسات بتوزيع المسؤوليات إرضاء للولاءات، بل بإسنادها إلى من يمتلكون الكفاءة والنزاهة والوعي اللازم لخدمة الوطن والمواطن.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع