الثقافة·

عالم ما بعد التفاهة: حين تصبح الشهرة بديلًا عن القيمة

ليست التفاهة ظاهرة جديدة في حياة البشر؛ فقد كانت دائمًا جزءًا من المشهد، شأنها شأن الضجيج والعابر من الأشياء. الجديد هو أن التفاهة لم تعد هامشًا في الصورة، بل باتت في بعض فضاءاتنا العامة أقرب إلى...

AI
Alakhbar.infoالنص الأصلي
اقرأ على Alakhbar.info
صورة Alakhbar.info

Il ressort que ليست التفاهة ظاهرة جديدة في حياة البشر؛ فقد كانت دائمًا جزءًا من المشهد، شأنها شأن الضجيج والعابر من الأشياء. الجديد هو أن التفاهة لم تعد هامشًا في الصورة، بل باتت في بعض فضاءاتنا العامة أقرب إلى الصورة نفسها. لم تعد سلوكًا عابرًا يثير الاستغراب، وإنما أصبحت صناعة لها نجومها وأسواقها، ومعاييرها الخاصة في توزيع الشهرة والاهتمام.

لقد انتقلنا من زمن كانت فيه الشهرة، في الغالب، نتيجةً لعمل أو موهبة أو معرفة، إلى زمن قد تصبح فيه الشهرة بديلًا عن كل ذلك. لم يعد السؤال دائمًا: ماذا أنجزت؟ أو ما الفكرة التي تضيفها إلى النقاش العام؟ بل صار السؤال: كم شخصًا شاهدك؟ وكم مرة جرى تداول اسمك؟ وكم من الوقت استطعت أن تحتل الشاشة، حتى لو لم يكن وراء حضورك سوى مشهد عابر أو جدل مفتعل؟ وهنا تنشأ مفارقة العصر: قد يكون المرء معروفًا من دون أن يكون مؤثرًا، حاضرًا في كل مكان من دون أن يترك أثرًا حقيقيًا. لا تكمن المشكلة في الترفيه ذاته؛ فالإنسان يحتاج إلى الضحك والراحة، والثقافة ليست دعوة إلى الجدية المطلقة.

كما أن المنصات الرقمية أتاحت فرصًا واسعة للتعبير، وكسرت احتكارًا قديمًا للظهور، ومنحت أصحاب المواهب أبوابًا لم تكن متاحة لهم من قبل. لكن الخطر يبدأ حين يصبح جذب الانتباه هو المعيار الأعلى، وحين تتراجع قيمة المحتوى أمام قدرته على إثارة الغرائز أو افتعال الخصومات أو استدعاء الصدمة. في اقتصاد الانتباه، لا تُقاس الأشياء دائمًا بما تحمله من معرفة أو منفعة، بل بما تستقطبه من تفاعل.

والفكرة العميقة تحتاج إلى وقت كي تُفهم، والعمل الجاد إلى سنوات كي تظهر ثماره، بينما قد تصنع لقطة واحدة شهرة عابرة في ساعات. ومع تكرار هذا المشهد، يختلط الانتشار بالاستحقاق، والتصفيق بالجودة، وعدد المتابعين بقيمة الإنسان. عندها لا تعود المسألة مرتبطة بمن يصنع المحتوى وحده، بل أيضًا بمن يستهلكه، وبالمنظومة التي تكافئ ما يثير الانتباه ولو كان قليل القيمة.

وتزداد خطورة الظاهرة حين تنتقل من الشاشة إلى تصور الناس عن النجاح. فالشاب الذي يرى الشهرة السريعة تُقدَّم كل يوم بوصفها إنجازًا مكتملًا قد يبدأ في النظر إلى التعلم والتكوين والعمل المتدرج باعتبارها طرقًا بطيئة لا تستحق الانتظار. وقد ينشغل بصناعة صورته أكثر من بناء قدراته، وبالحصول على التصفيق أكثر من اكتساب الخبرة.

وهكذا تتحول التفاهة من مادة للتسلية إلى معيار خفي يعيد تشكيل الطموح، ويؤثر في معنى الجدارة والاستحقاق لدى الأجيال الصاعدة. ولا يعني ذلك أن أصحاب المعرفة قد اختفوا، أو أن الموهبة فقدت قيمتها، بل إن أصواتهم باتت تنافس في فضاء مزدحم لا تتساوى فيه فرص الظهور. فالمثقف مطالب أحيانًا بأن يختصر فكرته حتى تكاد تفقد معناها، والخبير يجد نفسه في مواجهة من يجيد صناعة الجدل، وصاحب العمل الهادئ لا يملك بالضرورة أدوات التسويق التي يملكها صانع الضجيج.

ليست المشكلة، إذن، في أن يتكلم الجميع، بل في أن يصبح الضجيج معيارًا للحكم على قيمة الكلام. وفي مجتمعاتنا العربية، ومنها المجتمع الموريتاني، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة. فنحن بحاجة إلى فضاء رقمي يفتح المجال للمواهب والأفكار الجديدة، لكنه يحتاج كذلك إلى ثقافة عامة تميّز بين الشهرة والخبرة، وبين حرية التعبير والمسؤولية، وبين النقد الذي يفتح باب الإصلاح والإساءة التي لا تنتج إلا مزيدًا من الاستقطاب.

كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مدعوة إلى منح المعرفة حضورًا جذابًا، لا أن تترك المجال فارغًا ثم تكتفي بالشكوى من صعود السطحية. من هنا، فإن الحديث عن «عالم ما بعد التفاهة» لا يعني أننا نعيش نهاية هذا العصر، ولا أن التفاهة ستختفي بقرار أو حملة عابرة. إنه سؤال عن إمكانية استعادة الإنسان حريته في اختيار ما يستحق انتباهه، وألا يترك الخوارزميات وحدها تحدد أولوياته، وألا يتعامل مع كل ما ينتشر بوصفه جديرًا بالمتابعة.

وقد يبدأ التغيير من عادات صغيرة: أن نمنح الكتاب وقتًا، وأن نصغي إلى الفكرة قبل الحكم عليها، وأن نكف عن مكافأة الإساءة لمجرد أنها مسلية، وأن نعيد الاعتبار إلى أصحاب الاختصاص والعمل الهادئ. ولا يتحقق ذلك باحتقار الجمهور أو إقامة جدار بين النخبة والناس، بل ببناء ثقافة تجمع بين الجاذبية والعمق، وتؤمن بأن البساطة ليست عيبًا، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتسطيح. المطلوب ليس عالمًا بلا ضحك أو ترفيه، بل عالم لا تنتحل فيه التفاهة صفة المعنى، ولا تصادر فيه الشهرة مكانة المعرفة، ولا يُقاس فيه نجاح الإنسان بعدد العيون التي تراقبه وحده.

لعل أخطر ما تفعله التفاهة أنها لا تسرق الوقت فحسب، بل قد تعيد تشكيل الطموح نفسه: فيصبح هدف الإنسان أن يُرى لا أن يستحق الرؤية، وأن ينتصر في معركة الظهور ولو خسر شيئًا من ذاته. أما عالم ما بعد التفاهة، إن كان له أن يولد، فسيبدأ حين ندرك أن الحياة ليست مسابقة مفتوحة لجذب الأنظار، وأن أكثر الأشياء قيمة قد تكون أقلها ضجيجًا. فالتحدي الحقيقي ليس أن ننجو من التفاهة فحسب، بل أن نستعيد قدرتنا على إنتاج المعنى في زمن يزداد فيه كل شيء حضورًا، بينما يتراجع الإصغاء إلى ما يستحق البقاء.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع