الأمن·

موريتانيا وتحولات نزاع الصحراء الغربية: تداعيات مغادرة الـ"مينورسو" ومخاطر المرحلة المقبلة.

لا يمكن قراءة التحذيرات التي وجهتها السلطات الإدارية الموريتانية إلى المواطنين والمنمين والرعاة الموجودين في المناطق الحدودية المتاخمة للصحراء الغربية بمعزل عن التطورات الأخيرة التي يشهدها النزاع...

AI
Alakhbar.infoالنص الأصلي
اقرأ على Alakhbar.info
صورة Alakhbar.info

Il ressort que لا يمكن قراءة التحذيرات التي وجهتها السلطات الإدارية الموريتانية إلى المواطنين والمنمين والرعاة الموجودين في المناطق الحدودية المتاخمة للصحراء الغربية بمعزل عن التطورات الأخيرة التي يشهدها النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو. فهذه التحذيرات، وإن اتخذت طابعاً احترازياً، تعكس إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة الجديدة، وما يمكن أن تحمله من تداعيات أمنية وسياسية على دول الجوار، وفي مقدمتها موريتانيا. وتكمن أهمية الخبر في أنه ينقل تطورات النزاع من مستوى التجاذب الدبلوماسي داخل مجلس الأمن إلى مستوى الاحتياطات الميدانية على الحدود، حيث تصبح سلامة المواطنين وحركة الرعاة والمنمين جزءاً مباشراً من حسابات الأمن الوطني.

لكن من الضروري التمييز بين مغادرة أفراد البعثة أو تقليص وجودها الميداني، وبين إنهاء ولاية المينورسو قانونياً؛ فهما أمران مختلفان، ولكل منهما تداعياته السياسية والقانونية. أولاً: ماذا حدث فعلياً؟ ولماذا يمثل نهاية المينورسو تطوراً استثنائياً؟تأسست بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية سنة 1991، بموجب قرار مجلس الأمن رقم: 690، في سياق اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو. وكانت مهمتها الأساسية مراقبة وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لتنظيم استفتاء يتيح لسكان الإقليم تقرير مصيرهم، وهو الاستفتاء الذي تعثر ولم ير النور بسبب الخلافات حول تحديد الهيئة الناخبة وطبيعة الحل السياسي.

في 30 أكتوبر 2026، فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية البعثة. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي الذي حصل على 11 صوتاً مؤيداً، بينما لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. وبانتهاء الولاية في 31 أكتوبر، توقفت العمليات الميدانية للبعثة ابتداء من الأول من نوفمبر، وبدأت الأمم المتحدة مرحلة تصفية وجودها اللوجستي وإعادة معداتها وأفرادها.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية: نحن لا نتحدث فقط عن مغادرة بعثة أممية، وإنما عن غياب الآلية الدولية التي ظلت طوال 35 عاماً تؤدي وظيفة المراقبة الميدانية لوقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني انتهاء مسؤولية الأمم المتحدة عن الملف، ولا يلغي حق سكان الصحراء الغربية في تقرير المصير، كما لا يمثل حكماً دولياً جديداً بشأن السيادة على الإقليم. فقد أكد الأمين العام أن الأمم المتحدة ستواصل جهودها السياسية من خلال مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.

ثانياً: التداعيات المحتملة على مسار النزاع1. تراجع آليات مراقبة وقف إطلاق النارهذه هي النتيجة الأكثر مباشرة. فالمينورسو لم تكن مجرد حضور رمزي، بل كانت توفر قناة أممية لمراقبة الوضع الميداني، وتوثيق التطورات، والتواصل مع الأطراف.

ومع انتهاء عملياتها، ستصبح معرفة حقيقة ما يجري في المناطق الواقعة شرق الجدار الرملي، ومناطق التماس، أكثر صعوبة بالنسبة للمجتمع الدولي. ولا يعني ذلك بالضرورة اندلاع مواجهات واسعة، لكنه يرفع احتمالات سوء التقدير، ويقلل من فرص التحقق المستقل والسريع من الحوادث الميدانية. 2.

انتقال النزاع إلى مرحلة سياسية أكثر تعقيداًيمثل تعثر مجلس الأمن مؤشراً على اتساع الخلاف الدولي حول كيفية إدارة القضية الصحراوية. فالولايات المتحدة سعت إلى تمرير مشروع يربط العملية السياسية بمقترح الحكم الذاتي المغربي، مع تغيير اسم البعثة وطبيعة ولايتها، بينما رفضت روسيا الصيغة الأمريكية وقدمت مشروعاً بديلاً يدعو إلى تمديد الولاية دون تغيير جوهري. وهذا يكشف أن الخلاف لم يعد مقتصراً على المغرب والبوليساريو، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بتباين حسابات القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.

3. احتمال تصاعد التوتر الميدانيمنذ استئناف الأعمال العدائية سنة 2020، ظل الوضع الأمني في الصحراء الغربية يتسم بالتوتر، وإن لم يتحول إلى حرب واسعة النطاق. ومغادرة المراقبين الدوليين تخلق فراغاً في آليات التحقق والوساطة الميدانية، وقد تدفع الأطراف إلى التشدد في مواقفها أو تفسير التحركات المقابلة باعتبارها تهديداً.

وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة بالفعل من مخاطر تصعيد الأعمال العدائية، ودعا جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات التي تهدد الاستقرار الإقليمي. 4. اختلاف حسابات الأطراف بعد انتهاء البعثةبالنسبة للمغرب، يمثل انتهاء ولاية المينورسو تطوراً سياسياً مهماً، خصوصاً أن الرباط تعتبر أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ينبغي أن يشكل أساس التسوية.

وقد أكدت السلطات المغربية، في تصريحاتها الأخيرة، التزامها بمواصلة احترام وقف إطلاق النار رغم انتهاء مهمة البعثة. أما جبهة البوليساريو، فتنظر إلى غياب البعثة باعتباره تطوراً مقلقاً، خصوصاً أن المينورسو كانت مرتبطة بالإطار الأممي الذي تأسس على أساس تقرير المصير والاستفتاء. وبالنسبة للجزائر، فإن انتهاء البعثة في ظل الخلاف حول الصيغة الأمريكية يمثل تطوراً أثار اعتراضها، كما عبّرت عن أسفها لعدم تجديد الولاية.

وهكذا، فإن انتهاء مهمة المينورسو لا ينهي الخلاف، وإنما يغير البيئة التي يدار فيها، ويضع الأطراف أمام تحدي البحث عن إطار جديد يمنع تحول الجمود السياسي إلى توتر أمني مفتوح. ثالثاً: لماذا تتحرك موريتانيا الآن؟في تقديري، تكمن أهمية التحذيرات الموريتانية في أنها تعكس قراءة احترازية لتداعيات التحول الذي طرأ على الوضع الميداني، وليس بالضرورة وجود معلومات مؤكدة عن مواجهة عسكرية وشيكة. فالمناطق الحدودية الشمالية والشمالية الشرقية ليست مجرد امتداد جغرافي، بل مجال تتحرك فيه مجموعات من المنمين والرعاة والرحل، وتوجد فيه مسارات عبور تقليدية قد لا تتطابق دائماً مع التصورات الدقيقة للحدود السياسية.

ومن هنا يمكن فهم توجيهات حكام الشامي واتميمشات باعتبارها إجراءً وقائياً يستهدف ثلاثة أمور:- منع دخول المواطنين إلى مناطق قد تشهد تطورات عسكرية أو أمنية غير متوقعة.- حماية المنمين والرعاة من مخاطر التواجد في مناطق النزاع أو المناطق غير الواضحة من الناحية الحدودية.- تفادي أي حوادث قد تضع موريتانيا في موقف دبلوماسي أو أمني حساس. والأهم أن هذه الإجراءات تعكس حرصاً على الفصل بين المجال السيادي الموريتاني ومناطق النزاع، وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلة تتراجع فيها آليات الرقابة الدولية. لكن ينبغي عدم تحميل هذه التحذيرات أكثر مما تحتمل؛ فهي لا تثبت وحدها وقوع تحركات عسكرية جديدة أو وجود تهديد مباشر للأراضي الموريتانية.

رابعاً: ما الذي يمكن أن تخسره موريتانيا من هذا التحول؟موريتانيا ليست طرفاً مباشراً في النزاع، لكنها تقع في منطقة جغرافية تجعلها من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب أمني في الصحراء الغربية. وتبرز أمامها أربعة تحديات رئيسية:التحدي الأمني: المحافظة على أمن الحدود ومنع تسلل تداعيات النزاع إلى الأراضي الموريتانية، مع تطوير آليات المراقبة والتنسيق الميداني.التحدي الإنساني: حماية السكان الرحل والمنمين، والاستعداد لاحتمالات النزوح أو تعطل حركة التنقل التقليدية إذا تصاعد التوتر.التحدي الاقتصادي: ضمان استمرار حركة التجارة والنقل عبر المعابر والمسارات المرتبطة بالمغرب، خصوصاً مع الأهمية الاستراتيجية لمحور الكركرات والطريق الرابط بين موريتانيا والمغرب.التحدي الدبلوماسي: المحافظة على علاقات متوازنة مع المغرب والجزائر، وتجنب أي اصطفاف قد يحول موريتانيا إلى ساحة إضافية للتجاذبات الإقليمية. وهنا ينبغي التذكير بأن استقرار الصحراء الغربية ليس مصلحة مغربية أو جزائرية أو صحراوية فحسب، بل هو مصلحة موريتانية مباشرة، بالنظر إلى ارتباط أمن المنطقة واستقرارها بمصالح موريتانيا الاقتصادية والاستراتيجية.

خامساً: ما السيناريوهات المطروحة للمرحلة المقبلة؟يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، دون الجزم بأن أحدها سيحدث بالضرورة:1. مسار التهدئة وإعادة ترتيب الوساطة الدولية: من خلال استمرار جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، والبحث عن صيغة سياسية جديدة تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض، مع إمكانية إنشاء آليات بديلة لمراقبة الوضع الأمني.2. مسار الجمود السياسي والتوتر المحدود: استمرار الخلافات بين الأطراف، مع وقوع حوادث ميدانية متفرقة وصعوبة التحقق منها في غياب المراقبين الأمميين.3.

مسار التصعيد الإقليمي: اتساع دائرة التوتر بما قد ينعكس على العلاقات المغربية الجزائرية، ويضع موريتانيا أمام تحديات أمنية ودبلوماسية أكثر تعقيداً. ولا ينبغي إغفال أن إنهاء العمليات الميدانية للمينورسو لا يعني اختفاء الأمم المتحدة من المشهد؛ فالمبعوث الشخصي للأمين العام ما زال يمثل قناة أساسية لاستمرار المساعي السياسية. سادسا: ما المطلوب من موريتانيا؟أعتقد أن المرحلة تستدعي الانتقال من الإجراءات الاحترازية الظرفية إلى مقاربة وطنية أكثر استباقية، تقوم على مجموعة من الأولويات:- تعزيز الرقابة على الحدود الشمالية، وتطوير التنسيق بين السلطات الإدارية والأجهزة المختصة.- إنشاء آلية اتصال فعالة مع المنمين والرعاة والرحل، تتيح إيصال التحذيرات والمعلومات إليهم بسرعة.- تكثيف التنسيق الدبلوماسي مع الأمم المتحدة والأطراف المعنية، بما يضمن عدم تحول غياب المينورسو إلى فراغ أمني غير مضبوط.- التشبث بموقف موريتانيا القائم على الحياد واحترام الشرعية الدولية، وعدم الانخراط في أي استقطاب إقليمي.- دعم كل المبادرات السياسية التي تضمن حلاً سلمياً ومتوافقاً عليه، يحول دون تجدد المواجهات المسلحة.

كما أن من المهم أن تقدم الحكومة توضيحات رسمية للرأي العام بشأن طبيعة الإجراءات الحدودية المتخذة، دون المساس بالاعتبارات الأمنية، حتى لا تترك المعلومات المتداولة مجالاً للشائعات والتأويلات. موريتانيا ليست طرفاً في النزاع، لكنها معنية بمآلاته. إن انتهاء مهمة المينورسو بعد 35 عاماً يفتح صفحة جديدة في تاريخ النزاع حول الصحراء الغربية، لكنها صفحة لا تزال ملامحها غير واضحة.

فقد انتهى الإطار الميداني الذي ظل يراقب وقف إطلاق النار، دون أن ينتهي النزاع نفسه، ودون أن يظهر حتى الآن بديل دولي واضح يؤدي الوظائف الأمنية التي كانت تضطلع بها البعثة. وإذا كان المغرب يرى في هذا التطور فرصة لإعادة ترتيب إدارة الملف على أساس مقترح الحكم الذاتي، فإن البوليساريو والجزائر تنظران إليه من زاوية مختلفة، وهو ما يجعل التوافق السياسي أكثر تعقيداً في المرحلة الراهنة. أما موريتانيا، فإن مصلحتها الأساسية لا تكمن في انتصار طرف على آخر، وإنما في تجنيب المنطقة أي تصعيد جديد، وحماية حدودها ومواطنيها، والمحافظة على علاقاتها الإقليمية ومصالحها الاقتصادية.

وأرى أن التحذيرات التي وجهتها السلطات الإدارية إلى المواطنين والمنمين ينبغي أن تُقرأ في هذا السياق: إنها رسالة بأن موريتانيا تدرك أن التحولات التي تجري في محيطها الجغرافي قد تفرض عليها مراجعة حساباتها الأمنية، حتى وإن لم تكن طرفاً في النزاع. فالحياد لا يعني الغياب عن المشهد، كما أن عدم المشاركة في النزاع لا يعفي الدولة من الاستعداد لتداعياته. وموريتانيا اليوم مطالبة بأن تجمع بين حكمة الدبلوماسية ويقظة الأمن، وأن تدافع عن استقرارها دون أن تتحول إلى جزء من صراع إقليمي لا يخدم استمرارُه مصالح أي من شعوب المنطقة.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع