المجتمع·

الجامعة ليست سوقًا والطلاب ليسوا زبائن: أوقفوا المتاجرة بمستقبل طلاب جامعة نواكشوط

صرخة ضمير إلى فخامة رئيس الجمهورية، ومعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس جامعة نواكشوط إن من أشد ما يمكن أن يصيب المؤسسات الجامعية في رسالتها ومصداقيتها أن تتحول المعرفة من حق للطالب إلى سل...

EM
El Mouragebالنص الأصلي
اقرأ على El Mourageb
صورة El Mourageb

Il ressort que صرخة ضمير إلى فخامة رئيس الجمهورية، ومعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس جامعة نواكشوط إن من أشد ما يمكن أن يصيب المؤسسات الجامعية في رسالتها ومصداقيتها أن تتحول المعرفة من حق للطالب إلى سلعة تُفرض عليه، وأن تتحول سلطة الأستاذ في التدريس والتقييم إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مالية خاصة، وأن يجد الطالب نفسه مطالبًا بدفع ثمن النجاح قبل أن تتاح له فرصة إثبات جدارته العلمية. هذه ليست صورة افتراضية، ولا مجرد تخوف من انحراف قد يحدث مستقبلًا، وإنما هي ممارسات قائمة في بعض كليات جامعة نواكشوط، حيث يعمد بعض الأساتذة إلى إلزام الطلاب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بشراء ملخصات ومطبوعات وأشباه كتب يعدونها للمواد التي يتولون تدريسها، ثم يربطون أسئلة الامتحانات بمحتوياتها، بما يجعل اقتناء تلك المطبوعات ضرورة عملية بالنسبة للطالب الذي يخشى الرسوب أو الحرمان من الدرجات التي يستحقها. إننا هنا أمام ظاهرة تتجاوز حدود السلوك الفردي غير اللائق، لتطرح إشكالية أخلاقية ومؤسسية وقانونية تمس صميم رسالة الجامعة، وتستدعي تدخلًا عاجلًا من السلطات العمومية، حفاظًا على كرامة الطلاب ونزاهة الامتحانات وسمعة التعليم العالي في بلادنا.

فمتى أصبح النجاح الجامعي مشروطًا بشراء مطبوعات الأستاذ؟ وبأي حق تتحول قاعات الدرس والمدرجات إلى منافذ لتصريف إنتاج تجاري يملك صاحبه سلطة تقييم المشترين؟ إن الأستاذ الجامعي ليس تاجرًا يستثمر حاجات طلابه، ولا سمسارًا يتخذ من وظيفته وسيلة لترويج بضاعته، وإنما هو مربٍّ ومؤطر وباحث، اؤتمن على تكوين الأجيال ونقل المعرفة وترسيخ القيم العلمية والأخلاقية. وهذه الأمانة تفرض عليه أن يكون أول المدافعين عن النزاهة وتكافؤ الفرص، لا أن يجعل من ضيق ذات اليد عائقًا إضافيًا أمام طالب قد تعجز أسرته أصلًا عن توفير نفقات السكن والنقل والغذاء ومستلزمات الدراسة. فكيف يمكن تبرير إرغام طالب محدود الموارد على شراء مطبوعة قد لا تتجاوز قيمتها العلمية ما هو متاح في المراجع والمصادر الأخرى، لمجرد أن واضع الامتحان هو نفسه من يتولى تسويقها؟ وأي رسالة تربوية يتلقاها الطالب حين يكتشف أن بعض من يفترض أن يكونوا قدوة له في النزاهة والتجرد يوظفون سلطتهم الأكاديمية لتحقيق منفعة مالية شخصية؟ إن هذه الممارسات لا تمت بصلة إلى أخلاقيات مهنة التدريس الجامعي، ولا يمكن إضفاء المشروعية الأخلاقية عليها بالحديث عن الجهد العلمي أو الذهني المبذول في إعداد الملخصات.

فليس ثمة خلاف حول حق الأستاذ في التأليف والنشر والاستفادة المشروعة من إنتاجه الفكري، بل إن ذلك من صميم النشاط العلمي الذي ينبغي تشجيعه. غير أن هذا الحق ينتهي عند حدود استغلال السلطة الوظيفية لفرض الشراء على الطلاب، أو توجيه الامتحانات بطريقة تجعل اقتناء مطبوعة الأستاذ شرطًا عمليًا للنجاح. والفارق هنا جوهري بين مؤلف يعرض إنتاجه العلمي في سوق مفتوحة يملك القارئ فيها حرية الاختيار، وأستاذ يجمع بين سلطة التدريس واحتكار المرجع المطلوب وسلطة وضع الامتحان وتصحيحه وتحديد نتائجه.

إن اجتماع السلطة الأكاديمية والمصلحة التجارية الشخصية في يد واحدة يمثل تضاربًا صارخًا في المصالح، ويفتح الباب أمام استغلال حاجة الطلاب إلى النجاح، وهو وضع لا يجوز التساهل معه داخل مؤسسة عمومية يُفترض أنها قائمة لخدمة العلم والمصلحة العامة. ولعل الأكثر إيلامًا أن تقع مثل هذه الممارسات في مجتمع يتحمل فيه الآباء والأمهات أعباء جسيمة من أجل تعليم أبنائهم، ويعلقون على الشهادات الجامعية آمالًا كبيرة في تحسين أوضاع أسرهم ومستقبلهم. فالطالب الذي يضطر إلى الاختيار بين شراء مطبوعة أستاذه وتلبية احتياجاته المعيشية لا يواجه مجرد تكلفة دراسية إضافية، وإنما يواجه ضغطًا يمس كرامته ويضعف ثقته في عدالة المؤسسة التي ينتمي إليها.

ولا يقل خطورة عن ذلك ما تتركه هذه الممارسات من آثار على مصداقية الامتحانات الجامعية. فالامتحان ينبغي أن يقيس مدى استيعاب الطالب للمادة العلمية وقدرته على الفهم والتحليل والاستنتاج، لا مدى حفظه لمحتويات ملخص تجاري محدد، ولا قدرته على دفع ثمنه. وحين يصبح الامتحان امتدادًا لعملية بيع المطبوعات، فإن التقييم يفقد جانبًا من استقلاليته، ويتراجع المستوى الأكاديمي أمام اعتبارات لا علاقة لها بالاستحقاق العلمي.

كما أن هذه الظاهرة تسيء إلى صورة الجامعة الموريتانية مقارنة بالمؤسسات الجامعية التي تحرص على الفصل بين النشاط العلمي المشروع والمصالح التجارية الشخصية للأساتذة. ففي عدد من الجامعات العربية والإفريقية وغيرها من المؤسسات الأكاديمية، توجد قواعد وإجراءات لمنع فرض شراء المراجع من الأستاذ، أو للتحذير من تضارب المصالح المرتبط بالمقررات والمطبوعات، فضلًا عن آليات لمراجعة الشكاوى المتعلقة بنزاهة التقييم. ومن غير المقبول أن تعجز جامعة نواكشوط عن إرساء ضمانات مماثلة تحمي الطلاب من الاستغلال، وتمنع تحويل الكليات إلى نقاط بيع يستفيد منها بعض من نسوا أن صفتهم الأولى هي صفة الأستاذ والمربي، لا التاجر الباحث عن الربح.

والواقع أن هذه الظاهرة ليست خافية إلى الحد الذي يستدعي وسائل استثنائية للكشف عنها. فزيارة بعض الكليات، والاستماع إلى الطلاب والاتحادات الطلابية والعاملين فيها، والاطلاع على ظروف توزيع المطبوعات وبيعها، ومراجعة نماذج من أسئلة الامتحانات ومقارنتها بمحتويات تلك المطبوعات، كلها وسائل كفيلة بتحديد مدى انتشار هذه الممارسات وأصحابها. كما تستطيع الجهات الرقابية والإدارية المختصة، بل والأجهزة المعنية بجمع المعلومات في حدود صلاحياتها القانونية، المساهمة في توثيق الوقائع والتحقق من أساليب فرض الشراء والضغوط التي يتعرض لها الطلاب.

وليس مقبولًا أن يُطلب من الطالب وحده التصدي لممارسة يقوم بها أستاذ يملك سلطة تقييمه وتحديد مصيره الدراسي. فالطالب في هذه العلاقة هو الطرف الأضعف، وقد يخشى الاعتراض أو تقديم شكوى حتى لا يتعرض للتمييز أو الانتقام الأكاديمي. ومن ثم، فإن المسؤولية تقع أولًا على الإدارة الجامعية والوزارة الوصية، باعتبارهما الجهتين الملزمتين بحماية النزاهة الأكاديمية وضمان انتظام المرفق العام للتعليم العالي وفق مبادئ المساواة والإنصاف واحترام الأخلاق المهنية.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد التأكد من وجود الظاهرة، فقد أصبحت ممارساتها واقعًا ملموسًا، وإنما اتخاذ إجراءات عاجلة لوقفها، وتحديد المسؤولين عنها، وإرساء ضمانات تمنع تكرارها. ويقتضي ذلك، في المقام الأول، إصدار تعليمات صريحة وملزمة تمنع أي أستاذ من اشتراط شراء مطبوعاته الخاصة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال ربط الامتحانات بها على نحو يجعل اقتناءها إلزاميًا من الناحية العملية. كما يستوجب وضع آلية مستقلة وآمنة لتلقي شكاوى الطلاب، تضمن سرية هوياتهم وتحميهم من أي إجراء انتقامي، وإخضاع الحالات الموثقة للفحص والتقييم وترتيب المسؤوليات التأديبية، فضلًا عن إحالة ما قد يشكل مخالفة للقانون إلى الجهات المختصة عند الاقتضاء.

وينبغي كذلك اعتماد ترتيبات مؤسسية تتيح للطلاب الحصول على المحتويات التعليمية الأساسية دون أن يصبحوا أسرى لمصالح تجارية خاصة، مع تشجيع نشر المراجع العلمية عبر المكتبات الجامعية والمنصات الرقمية والوسائل التي تضمن المساواة في الوصول إلى المعرفة. إن الأستاذ الذي يتقاضى أجرًا مقابل أداء مهامه التعليمية ملزم بالوفاء بواجباته المهنية، ولا يجوز أن تتحول ممارسة تلك المهام إلى وسيلة لفرض أعباء مالية شخصية على الطلاب خارج الأطر القانونية والمؤسسية المقررة. وليس من العدل أن تتحدث المؤسسات الجامعية عن الإصلاح والجودة والتميز والبحث العلمي، بينما تُترك ممارسات من هذا النوع لتقوض الثقة في العملية التعليمية من داخلها.

ومع ذلك، فإن من واجب الإنصاف التأكيد على أن هذه الممارسات لا تمثل جميع أساتذة جامعة نواكشوط، ففي الجامعة أساتذة أكفاء ونزهاء يبذلون جهودًا علمية وتربوية مقدرة، ويحترمون طلابهم ويؤدون رسالتهم بإخلاص وتجرد. بل إن مواجهة هذه الظاهرة تمثل دفاعًا عن هؤلاء الأساتذة قبل غيرهم، وحماية لسمعة الجامعة من تصرفات فئة لا يجوز أن تسيء إلى صورة هيئة التدريس بأكملها. ومن هنا، فإننا نوجه هذا النداء إلى فخامة رئيس الجمهورية، ومعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس جامعة نواكشوط، مطالبين بتدخل جاد وسريع يضع حدًا لهذه الممارسات، ويعيد الاعتبار للقيم التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الأستاذ والطالب.

إن الأمر لا يتعلق بخلاف عابر حول أسعار بعض المطبوعات، وإنما بمسألة تمس أخلاقيات الوظيفة التعليمية والعدالة بين الطلاب ومصداقية الشهادات وكرامة مؤسسة جامعية وطنية يفترض أن تكون منارة للعلم والمعرفة. ولا نريد أن تتحول الجامعة إلى فضاء يختلط فيه العلم بالسمسرة، والتدريس بالمتاجرة، والامتحان بالضغط المالي، فتضيع الحدود بين السلطة الأكاديمية والمصلحة الشخصية. إن مستقبل الطلاب ليس مجالًا للمساومة، ومعاناتهم ليست فرصة للاستثمار، وطموحهم إلى النجاح ليس سلعة يحق لأحد احتكارها أو المتاجرة بها.

فالجامعة التي نريدها لأبنائنا هي جامعة تفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، وتكافئ الجهد والاستحقاق، وتصون كرامة الطالب مهما كانت ظروفه الاقتصادية، وتضع مكانة الأستاذ العلمية والأخلاقية فوق كل اعتبار تجاري. أما السكوت عن هذه الممارسات، أو التعامل معها باعتبارها مجرد تصرفات عادية، فلن يؤدي إلا إلى تكريسها وتشجيع انتشارها وإضعاف الثقة في منظومتنا الجامعية. لقد حان الوقت لوضع حد لهذا الخلط المشين بين الرسالة العلمية والمصلحة التجارية، وتذكير كل من يتولى مهمة التدريس الجامعي بأن الوظيفة التي يشغلها أمانة، وأن السلطة التي يمارسها على الطلاب مسؤولية وليست امتيازًا ماليًا.

إنها صرخة ضمير قبل أن تكون مطالبة إدارية، ونداء لحماية الجامعة قبل أن يكون إدانة لسلوك بعض المنتسبين إليها. فلتبقَ الجامعة محرابًا للعلم، وليبقَ الأستاذ قدوة في النزاهة، وليبقَ الامتحان ميزانًا للكفاءة، لا وسيلة لتصريف المطبوعات. فالطالب ليس زبونًا مُكرهًا، والأستاذ ليس بائعًا يحتكر النجاح، والجامعة ليست سوقًا.

وتلك مسؤولية لا تحتمل التأجيل.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع