سراب النمو الاقتصادى. - بقلم الأستاذ الطالب أخيار ولد محمد مولود.*
العلاقة بين النمو الاقتصادي والازدهار تشبه العلاقة بين الربح والربحية؛ فكما أن تحقيق الربح لا يعني بالضرورة تحقيق الربحية، فإن تحقيق النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة بلوغ الازدهار. قد تحقق شركة ما أرب...

Il ressort que العلاقة بين النمو الاقتصادي والازدهار تشبه العلاقة بين الربح والربحية؛ فكما أن تحقيق الربح لا يعني بالضرورة تحقيق الربحية، فإن تحقيق النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة بلوغ الازدهار. قد تحقق شركة ما أرباحاً تُقدَّر بمليارات الوحدات النقدية، غير أنها لا تكون مجدية من حيث العائد بالنسبة إلى المساهمين إلا إذا تمكنوا من استرداد مبالغ تتيح لهم، مقارنة بحجم استثماراتهم، تحقيق مستوى مُرضياً من الربحية، وفي حال تعذر بلوغ هذا المستوى، قد يلجؤون إلى اتخاذ مختلف التدابير الرامية إلى إعادة هيكلة الشركة داخلياً، أو إلى البحث عن تحالفات واندماجات مع شركات أخرى. و كما أن الربح لا يكفي وحده للحكم على ربحية المؤسسة، فإن ارتفاع معدلات النمو لا يكفي للحكم على ازدهار الأمم، فقد تسجل دولة ما نسب نمو لافتة، بينما تعاني في الوقت نفسه من بطالة واسعة النطاق، وفقر متفاقم، وأوبئة فتاكة، وتدهور في مستوى التعليم يولد توترات وعنفاً يهددان التماسك الاجتماعي واستقرار المؤسسات، ويقترن ذلك غالباً بعجز مزمن في المالية العامة يدفع الدولة إلى الاستدانة المتكررة من المؤسسات المالية الدولية، التي لا تقدم تمويلها إلا مقابل ضمانات تحصنها من مخاطر عدم السداد، وتلك هي السمة المميزة لكثير من الاقتصادات الريعية، حيث لا تعكس معدلات النمو، في معظم الأحيان، حقيقة مستوى الرفاه والازدهار الاقتصادي والاجتماعي.
منذ حصولها على الاستقلال، تولّت قيادةَ البلدان التي ستتحول لاحقاً إلى دول ريعية، نخبٌ اقتنعت بأن الاستحواذ على الثروات الوطنية يشكل الوسيلة الأنجع للحفاظ على السلطة وضمان الاستمرار فيها، ومن ثمّ، تمثلت الاستراتيجية السياسية والاقتصادية لهذه النخب في تشجيع إنشاء شركات مملوكة للدولة وتمويلها من خلال اللجوء الممنهج إلى العجز في الموازنات العامة، وهو عجز كان يزداد تفاقماً عاماً بعد عام بسبب استيلاء تلك النخب نفسها على الريوع المتأتية من تصدير المواد الأولية وسائر الموارد الطبيعية، وسرعان ما تعرّضت أصول هذه الشركات وممتلكاتها للتبديد خدمةً لأغراض سياسية من قبل القائمين على إدارتها أنفسهم، ثم ما تلبث أن تُستبدل بشركات عمومية أخرى، لتتكرر القصة ذاتها بالكيفية نفسها. في تلك الحقبة، كانت النظرية الكينزية (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني الشهير كيز Keynes) لا تزال تحظى بانتشار واسع ونفوذ كبير، غير أن نخب البلدان الريعية لم تستوعب منها، عن قصد أو عن سوء فهم، سوى قراءة اختزالية، حوّلت الإنفاق العام من أداة ظرفية لتنظيم النشاط الاقتصادي ومعالجة الاختلالات الدورية، إلى أسلوب دائم للحكم يهدف إلى إعادة توزيع الريع بغية استمالة الزبائن السياسيين والحفاظ على ولائهم. وطوال هذه الفترة، جرى تهميش القطاع الخاص الذي كان قائماً قبل الاستقلال، رغم دوره في خلق فرص العمل وإنتاج الثروة وتعزيز المنافسة، وأُبقي في مؤخرة هذه الآلة المخصّصة لإثراء النخب الحاكمة، وكان هذا القطاع يتشبث بالبقاء، بينما لا يُمنح سوى الفتات: عقد من الباطن هنا، أوشركة صورية هناك، تكون الجهات الحقيقية التي تقف وراءها هي النخب الحاكمة نفسها أو الشبكات المرتبطة بها، وكان ذلك زمن الازدهار الأكبر لرأسمالية المحسوبية، حيث أصبحت الثروة تُقاس بمدى القرب من السلطة أكثر مما تُقاس بالقدرة على الإنتاج والمنافسة.
ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، بدأ نمطُ التسيير السياسي والاقتصادي الذي كان يُعلي من شأن الإنفاق العمومي، ويستند إلى عجزٍ متكرر في الموازنات العامة، ويُرسِّخ الاستحواذَ الخاص على الدولة ومواردها من قبل النخب الحاكمة ويُقصي القطاع الخاص المنتج من الحقل الاقتصادي، يفقد زخمه تدريجياً، قبل أن تجرفه موجةٌ نيو ليبرالية عارمة استُلهمت من النظريات الاقتصادية التي كانت رائجة آنذاك في الولايات المتحدة الأمريكية، وعودةً إلى تلك المرحلة، كنتُ قد أشرتُ في مقال نشرته على موقع "كريدم" تحت عنوان «رهانات الإخفاقات المصرفية (2)» إلى أن "هذه الموجة قد أُعيد إحياؤها وإلباسها ثوباً جديداً من خلال "إجماع واشنطن" Consensus de Washington، الذي تحوّل البنك الدولي إلى أحد أبرز أدواته......" وبمقتضى هذه الرؤية، التي التقت حولها آنذاك توجهات الحزبين ، الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، لم يعد يُنظر إلى الدولة باعتبارها فاعلاً اقتصادياً مباشراً، بل باعتبارها مجرد جهة مسؤولة عن توفير البيئة المؤسسية والقانونية الكفيلة بضمان حسن سير السوق وتشجيع المنافسة والمبادرة الفردية، وسيتحول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى الناقلين الرئيسيين لهذه النظرية الجديدة، التي فتحت فصلاً يُعد من أكثر الفصول قتامة في التاريخ الاقتصادي الحديث للدول الريعية. وفي ظل هيمنة "إجماع واشنطن"، انزلقت هذه الدول إلى حلقة مفرغة من الاستدانة الخارجية، لتصبح المديونية الدولية إحدى السمات البنيوية الملازمة لمسارها الاقتصادي. وحتى ذلك الحين، كان الدين العام، المتأتي أساساً من العجوزات المتكررة في الميزانية، يزداد تفاقماً عاماً بعد عام، حتى انتهى إلى تكريس تبعية دائمة للتمويلات الخارجية، الأمر الذي أتاح للمؤسسات المالية الدولية فرض برامجها الإصلاحية على الدول الريعية.
وعلى هذا النحو، ستجد هذه الدول نفسها مجبرة على تطبيق برامج تقشف قاسية: اقتطاعات هائلة من النفقات العمومية مصحوبة بموجات تسريح جماعي، وخصخصة الصحة والتعليم، والتخلى عن دعم الفئات الهشة، و عن أي دور توجيهي في الاقتصاد، إلى جانب تفكيك ممنهج للمؤسسات العمومية وبيع أصولها بثمن بخس لفائدة طبقة جديدة من رجال الأعمال ظهرت في خضم هذه التحولات، لكنها لم تكن سوى نتاجٍ لدوائر النفوذ وخبايا السلطة. ولم يعتبر البنك الدولي ولا صندوق النقد الدولي ولا المؤسسات النظيرة لهما ظهورَ هؤلاء رجال الأعمال الجدد، المرتبطين عضوياً بالنخبة الحاكمة، انحرافاً ولا ضلالة اقتصادية، بل سرعان ما تأقلمت هذه المؤسسات مع هذا الوضع، وأسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في بروز قطاع خاص ريعي نشأ وتطور وفق المنطق ذاته الذي كان سائدا في أعقاب الإستقلالات. وكثيراً ما كانت تنشأ، في الخفاء وعلى نحوٍ مكتوم، حالة من التوتر الحقيقي بين أنصار السيادة الوطنية ودعاة سياسات التكييف الهيكلي، وقد اتخذ هذا التوتر، في بعض الدول الريعية، طابعَ صراعاتٍ فئوية بين مختلف أجنحة النخب الحاكمة، ليفضي إلى شتى أنواع الأزمات السياسية والاجتماعية: انقلابات متعاقبة، نزاعات مسلحة، حركات تمرد، بل وحتى حالات من الانقسام وتفكك الحوزة الترابية....
إن العجز الهيكلى في الموازين التجارية للدول الريعية المقترِضة كان يضعها في وضعية تجعلها عاجزةً باستمرار عن سداد ديونها، التي ما فتئت تتضخم عاماً بعد عام. وقد انتهى الأمر ببعض هذه الدول، تحت وطأة المديونية ، إلى السقوط في إغراء اللجوء إلى الحيل المحاسبية، بقصد تضليل الدائنين بشأن الحجم الحقيقي للمديونية. أما اليوم، فيبدو أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يتجهان إلى اعتبار القطاع الخاص الفاعلَ المفضل والمحركَ الرئيسي للنمو الاقتصادي، وهذا هو الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من اجتماعهما السنوي المنعقد في تايلند خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026 ، غير أن الإشكال المطروح يتمثل في معرفة أيِّ قطاع خاص تقصده السردية التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
فهل المقصود هو القطاع الخاص الريعي، أسير الامتيازات السياسية والمحسوبية، في اقتصاد يتجاور فيه النمو مع البطالة والتضخم والأمية وتردي الأوضاع الصحية؟ أم المقصود هو قطاع خاص منتج ومستقل، ينمو في بيئة يكون فيها النمو الاقتصادي مرادفاً للتشغيل والازدهار وتحسن التعليم والخدمات الصحية؟ *محام، عضو سابق في مجلس الهيئة الوطنية للمحامين.