حرائق البرلمان أشد وأخطر من حرائق الكهرباء/ إسلكو أبهاه
بعد شهر واحد من دخولنا البرلمان، طلبت لقاء رئيس الجمعية الوطنية، السيد محمد ولد مكت. حيّيته وتمنيت له التوفيق، وشرحت له أنني قد أدخل مكتبه كثيرًا لعرض مسائل عامة، لكنني ألتزم له بألا أدخله طوال المأمو...

Il ressort que بعد شهر واحد من دخولنا البرلمان، طلبت لقاء رئيس الجمعية الوطنية، السيد محمد ولد مكت. حيّيته وتمنيت له التوفيق، وشرحت له أنني قد أدخل مكتبه كثيرًا لعرض مسائل عامة، لكنني ألتزم له بألا أدخله طوال المأمورية، بإذن الله، طالبًا لأمر خاص أو حاجة شخصية ، تبسّم ضاحكًا من قولي، وقال: «أنت ألا من النواب… وعادي إلى جيت في حاجة شخصية». قلت له: في الحاجات العامة شغلٌ عن ذلك ، ثم دخلنا في الحديث …تعمدت أن يكون أول موضوع أُفاتحه فيه هو موضوع الإعلام والقناة البرلمانية، فقلت: سيدي الرئيس، كثيرًا ما ينظر القادة في هذا البلد إلى المشاريع التي سُبقوا إليها على أنها مشاريع فلان أو علان، وقناة البرلمانية من أهم الإنجازات التي سبقتكم، وأرجو ألا يُنظر إليها كما لو كانت (مشروع الشيخ ولد بايه) أو إنجازًا مرتبطًا به؛ لذلك أتمنى أن تحافظ في مأموريتكم على الألق الذي امتلكته، وأن يتم تطويرها وزيادة هامش الحرية بها …نبّهني إلى صعوبة الوضع المادي وكثرة تكاليف الإعلام، لكنه وعد خيرًا، فانصرفت عنه.لاحقًا، وعلى مدى الأشهر والسنوات الموالية، وقع الفأس في الرأس - كما يقال - ووقع ما كنت أخشاه؛ فقد تردّت خدمات القناة بشكل فظيع وأُوقفت معظم البرامج المهمة التي كانت تُبث، ولم يبقَ سوى كاميرات مهترئة، سيئة التصوير، تتولى نقل البث المباشر.
فكانت تلك الانتكاسة الأولى في هذا البرلمان.لم يمض وقت طويل حتى كان نواب الإنصاف والأغلبية يرفعون أيديهم طلبًا لرفع الحصانة عن زميل لهم، في أول سابقة من نوعها في تاريخ البرلمان الموريتاني منذ تأسيسه قبل أزيد من ثلاثين عامًا.لكن ذلك لم يك سوى البداية؛ ففي صباح الثلاثاء الرابع عشر من يوليو المنصرم ، منعت قوة من الحرس الوطني ترابط عند البوابة الغربية للبرلمان نائبتين تتمتعان بالحصانة البرلمانية، -ولم يصدر بعد يومها في حقهما حكم نهائي - من دخول مبنى الجمعية الوطنية ، وحين راجع نواب المعارضة السيد ولد مكت في الأمر، قال إنه لا علم له به، وإن أولئك العسكر لا يتبعون له. فارتفعت أصواتنا رفضًا للأمر واستنكارًا لوجود قوة عسكرية عند باب البرلمان لا تخضع لإمرة رئيسه، لكنا لم نجد جوابًا من السيد الرئيس فانصرفنا.فجر الجمعة الموالي، داست أحذية العسكر، لأول مرة في تاريخ البرلمان، أرض مكاتب النواب، لإخراج النائبتين المذكورتين بالقوة، في تأويل متعسف ومستهجن للنظام الداخلي والنصوص التي تحكم عمل البرلمان.واليوم، وعلى بُعد مسافة قصيرة من إطلاق الحوار والحديث عن الحريات العامة ودولة القانون، يطلق مؤتمر الرؤساء في البرلمان رصاصات الرحمة القليلة المتبقية في جعبته على ما تبقى من أمل ضئيل؛ فيمتنع عن منح النائب ثلاث دقائق للحديث عن سياسة حكومة تضم أزيد من ثلاثين قطاعًا، وينتظر المواطن رأيه فيها في كل عام مرة أو مرتين …فهل بلغت تبعية السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية، وتطبيقها لأوامرها، درجةً لا يستطيع معها مؤتمر الرؤساء إضافة نصف دقيقة طالب بها نواب المعارضة، الذين يدركون ضرورة أن تكون سقوف مطالبهم منخفضة كثيرًا، رغبةً في الوفاق، وأملًا في إيجاد طريق يسع أبناء هذا الوطن، مهما اختلفت مشاربهم السياسية؟لقد ذهبت المؤسسة التشريعية - وللأسف الشديد - بعيدا في وهنها وتبعيتها ، وعلى نواب المعارضة مقاطعة الجلسة والنأي بأنفسهم عنها؛ فذلك أندى وأقوى، وأكثر تعبيرًا وتأثيرًا. جمعة, 2026/11/06 - 15:17