المجتمع·

العقدويون في التعليم العالي بين مقتضيات المرسوم وآفاق إنهاء الإشكال

يأتي المرسوم المنظم لأسلاك مدرسي وباحثي التعليم العالي بمقتضيات جديدة تتعلق بالأشخاص العقدويين للتدريس والبحث، وتفتح آفاقا لتسوية وضعياتهم والاستفادة من كفاءاتهم في المنظومة الأكاديمية، وفق ضوابط...

AI
Alakhbar.infoالنص الأصلي
اقرأ على Alakhbar.info
صورة Alakhbar.info

Il ressort que يأتي المرسوم المنظم لأسلاك مدرسي وباحثي التعليم العالي بمقتضيات جديدة تتعلق بالأشخاص العقدويين للتدريس والبحث، وتفتح آفاقا لتسوية وضعياتهم والاستفادة من كفاءاتهم في المنظومة الأكاديمية، وفق ضوابط قانونية محددة، وفي هذا السياق، يطرح المقال جملة من المواد ذات الصلة، بالشرح والتحليل، متوقفا عند مدى استعداد مؤسسات التعليم العالي للاستجابة لهذه المقتضيات، انسجاما مع القانون، وإنهاءً لإشكالية العقدويين التي طال أمدها، بما يضمن الإنصاف والاستقرار المهني وتثمين الكفاءات الوطنية. وفي هذا المقال، سأتطرق إلى شرح المقتضيات المتعلقة بالعقدويين في المرسوم الجديد المحدد للنظام الخاص بأسلاك مدرسي وباحثي التعليم العالي، مع التركيز على المواد ذات الصلة، واستجلاء ما تتيحه من إمكانات قانونية لتنظيم وضعية هذه الفئة. وبعد الاطلاع على المرسوم، يتبين أن المشرع الموريتاني خصص للعقدويين ترتيبات متعددة، بعضها ورد ضمن المواد العامة المنظمة للأسلاك، وبعضها الآخر ورد في الباب الرابع، الذي يحمل عنوان: "ترتيبات متعلقة بالأشخاص العقدويين للتدريس والبحث".

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة؛ لأنها تميز بين المدرسين والباحثين الدائمين، من جهة، والأشخاص العقدويين الذين تستعين بهم مؤسسات التعليم العالي لأداء مهام التدريس والبحث، من جهة أخرى. أولا: المادة 10 من المرسوم: الفئات العقدوية المساهمة في مهام أسلاك التعليم العاليتنص المادة 10 على أن: "يشارك كذلك في إنجاز المهام المسندة لهذه الأسلاك، المدرسون المتعاقدون التالي ذكرهم:· الأساتذة المتميزون.· الأساتذة الشرفيون.· مديرو البحث المتميزون.· المدرسون الزائرون.· الباحثون الزائرون.· المدرسون المشاركون.· الباحثون المشاركون.· الأشخاص الخارجيون الضروريون للقيام بأعمال محددة أو الإشراف على التدريب. وتقرر هذه المادة مبدأ أساسيا، مفاده أن إنجاز مهام التدريس والبحث في مؤسسات التعليم العالي لا يقتصر على الموظفين المرسمين في الأسلاك الدائمة، بل يمكن أن تشارك فيه فئات عقدوية متعددة.

وحسب مقتضيات الباب الرابع من المرسوم، يمكن تصنيف هذه الفئات إلى ثلاث مجموعات:1. فئات ذات مكانة أكاديمية متميزة: مثل الأساتذة المتميزين والأساتذة الشرفيين ومديري البحث المتميزين، ومن بينهم المتقاعدون من أساتذة التعليم العالي الذين تمنح لهم هذه الصفات وفق الشروط المقررة.2. فئات تستقدم للاستفادة من كفاءاتها العلمية أو المهنية: مثل المدرسين الزائرين والباحثين الزائرين، والمدرسين المشاركين والباحثين المشاركين.3.

أشخاص من خارج المؤسسة: يستعان بهم لأداء أعمال محددة أو للإشراف على التدريبات. ولا تنشئ المادة 10، في حد ذاتها، حقا في التوظيف أو الترسيم، وإنما تحدد الفئات التي يجوز لها المساهمة في أداء المهام المسندة إلى أسلاك التعليم العالي، مع الرجوع إلى المواد الخاصة بكل فئة لمعرفة شروط منح الصفة والجهة المختصة ومدة الاستفادة منها. ثانيا: المادة 28 من المرسوم استبدال الموظف المعار بمدرس أو باحث عقدويتنص المادة 28 على أنه: "خلال المدة الأولى من الإعارة، لا يمكن أن يستبدل المعني في عمله إلا بصورة مؤقتة وبمدرس أو باحث عقدوي؛ ومع ذلك، بإمكان الوزير الذي تتبع له المؤسسة الأصلية أن يأذن باستبدال الشخص المعار عن طريق اكتتاب مدرس أو باحث دائم، وذلك في حالة كون منصب في نفس الدرجة والتخصص سيصبح شاغرا بالتقاعد في أجل أقصاه سنتان".

وتتعلق هذه المادة بحالة المدرس أو الباحث الدائم الذي يستفيد من الإعارة إلى مؤسسة أخرى أو جهة أخرى، حيث تقرر مبدأين أساسيين: 1. الاستبدال المؤقت بالعقدوي: الأصل أنه خلال المدة الأولى من الإعارة، والبالغة خمس سنوات حسب المرسوم، يتم تعويض المدرس أو الباحث المعار بمدرس أو باحث عقدوي، ضمانا لاستمرار التدريس والبحث وعدم تعطيل المؤسسة. ويعني ذلك أن العقدوي في هذه الحالة يشغل وظيفة بديلة بصورة مؤقتة، ولا يحل محل الموظف المعار في مركزه الوظيفي الدائم.

2. إمكانية الاكتتاب الدائم استثناءً: تتيح المادة إمكانية استبدال المعار بمدرس أو باحث دائم، شريطة:- الحصول على إذن من الوزير المختص بالمؤسسة الأصلية.- أن يكون المنصب في الدرجة نفسها.- أن يكون التخصص نفسه.- أن يصبح المنصب شاغرا بسبب التقاعد خلال أجل أقصاه سنتان. وتؤكد هذه المادة أن اللجوء إلى العقدويين قد يكون وسيلة لتغطية الاحتياجات المؤقتة للمؤسسة، مع إمكانية الانتقال إلى الاكتتاب الدائم عند تحقق الشروط المحددة.

غير أن شغل العقدوي للمهام التي كان يؤديها موظف معار لا يؤدي، بمجرده، إلى اكتساب صفة الموظف المرسم. ثالثا: المادة 34 من المرسوم استبدال المستفيد من إجازة التفرغ للبحث أو إجازة الدراساتتنص المادة 34 على: "في حالة استفادة مدرس أو باحث في التعليم العالي من إجازة التفرغ البحث أو إجازة للدراسات، فإنه لا يمكن استبداله إلا بصفة مؤقتة، وبمدرسين أو باحثين عقدويين خاضعين لأحكام هذا النظام". وترتبط هذه المادة بحقوق المدرسين والباحثين الدائمين في الاستفادة من إجازة التفرغ للبحث أو إجازة الدراسات، وهي الإجازات التي نظمتها المادتان 31 و32 من المرسوم.

وقد جاءت المادة 34 لضمان عدم تأثر سير العمل داخل المؤسسة خلال غياب المدرس أو الباحث المستفيد من الإجازة، من خلال إتاحة الاستعانة بمدرسين أو باحثين عقدويين، على أن يكون الاستبدال مؤقتا، لا يزيد على سنة حسب المرسوم، وأن يخضع العقدوي لأحكام النظام المقرر. ويستفاد من ذلك أن المشرع يقر بدور العقدويين في ضمان استمرارية التدريس والبحث، حتى في الحالات التي يكون فيها غياب الموظف الدائم مبررا قانونا. رابعا: الباب الرابع "الترتيبات المتعلقة بالأشخاص العقدويين للتدريس والبحث"يمثل الباب الرابع النص الأكثر مباشرة في تنظيم وضعية العقدويين، إذ يتضمن أحكاما خاصة بطبيعة هذه الفئة، وشروط الاستفادة من بعض الصفات الأكاديمية، والإجراءات المتعلقة بمنحها.

المادة 111 من المرسوم: الطبيعة القانونية للعقدويينتنص المادة 111 على: "يساعد المدرسون العقدويون والباحثون العقدويون مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات البحث العلمي وفقا للشروط المبينة أسفله؛ وهم لا يشاركون في هيئات إدارة المؤسسة؛ ولا يكونون ناخبين ولا منتخبين". وتتضمن المادة ثلاثة أحكام أساسية:أولا: الوظيفة المساعدة: تقرر المادة أن العقدويين يساهمون في مساعدة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي على تنفيذ مهامها، وهو ما يعكس تمييز المشرع بينهم وبين أصحاب الوظائف الدائمة المنظمة في الأسلاك. ثانيا: عدم المشاركة في هيئات الإدارة: لا يحق للعقدويين المشاركة في هيئات إدارة المؤسسة بموجب هذه المادة.

ثالثا: عدم التمتع بحق الانتخاب أو الترشح: لا يكون العقدويون ناخبين ولا منتخبين في إطار الهيئات التي يشملها هذا الحكم. ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه المادة تتعلق بحقوق المشاركة في الهيئات المؤسسية، ولا تتناول في حد ذاتها الحقوق المهنية أو المالية للعقدويين، التي تظل خاضعة للنصوص المنظمة لوضعيتهم. المادة 113 من المرسوم: المدرسون والباحثون المشاركونتعد المادة 113 من أبرز المقتضيات المتعلقة بالعقدويين، لما تتيحه من إمكانية منح صفة مدرس مشارك أو باحث مشارك لشخصيات موريتانية ذات كفاءة وخبرة مهنية معتبرة.

وقد نصت على أنه: "يمكن أن تمنح لمدة محددة صفة مدرس مشارك أو باحث مشارك للشخصيات الموريتانية ذات الشهرة الكبيرة والتجربة المهنية المعترف بها في مجال تخصصها والتي أمضت 5 سنوات على الأقل من النشاط المهني في مجال التخصص؛ بموجب مقرر مشترك من الوزراء المكلفين بالتعليم العالي وبالوظيفة العمومية وعند الاقتضاء الوزير الوصي على المؤسسة المستفيدة وبناء على اقتراح من مجلس إدارة المؤسسة المعنية وبعد موافقة مجلسها التربوي والعلمي أو مجلسها العلمي". ويثير هذا النص جملة من المسائل القانونية المهمة.أ‌. شروط الاستفادة من الصفة: حددت المادة شروطا تتعلق بالشخص المعني، وهي:- أن يكون شخصية موريتانية.- أن تكون له شهرة كبيرة.- أن تكون له تجربة مهنية معترف بها في مجال تخصصه تدريس 5 سنوات.- أن يكون قد أمضى خمس سنوات على الأقل من النشاط المهني في مجال التخصص.

وتقتضي هذه الشروط مجتمعة أن يكون الشخص ذا كفاءة مهنية وعلمية معتبرة، بما يسمح للمؤسسة الجامعية بالاستفادة من خبرته في التدريس أو البحث. ب‌. هل يشترط أن يكون المستفيد موظفا في التعليم العالي؟ لا تشترط المادة 113 أن يكون الشخص موظفا مرسما في التعليم العالي، بل تتجه صياغتها إلى استقطاب شخصيات موريتانية ذات شهرة وخبرة مهنية في تخصصاتها، ومن ثم، فإن ظاهر النص يسمح بأن يكون المستفيد من خارج الأسلاك الدائمة للتعليم العالي، متى استوفى الشروط المحددة، واتُّبعت الإجراءات القانونية اللازمة.

ج. الطبيعة القانونية للصفة الممنوحة: تتحدث المادة صراحة عن منح صفة مدرس مشارك أو باحث مشارك لمدة محددة، ولا تنص على أن منح هذه الصفة يؤدي تلقائيا إلى الترسيم في سلك المدرسين الباحثين الجامعيين، أو إلى اكتساب رتبة من رتب الأساتذة الجامعيين، وبالتالي، فإن الصفة المشارِكة تمثل وضعية قانونية خاصة، مستقلة عن الترسيم في الأسلاك الدائمة، وفقا لما يستفاد من النص. د.

مدة منح الصفة: تنص المادة على أن الصفة تمنح "لمدة محددة"، دون أن تحدد هذه المدة، سواء كانت سنة أو سنتين أو أكثر، ومن ثم، فإن تحديد مدة الاستفادة يقتضي الرجوع إلى المقرر الصادر بمنح الصفة، وإلى النصوص المكملة ذات الصلة. هـ. الجهات المختصة بمنح الصفة: تحدد المادة 113 مسارا إجرائيا واضحا، يتمثل في:- اقتراح من مجلس إدارة المؤسسة المعنية.- موافقة المجلس التربوي والعلمي أو المجلس العلمي.- صدور مقرر مشترك من الوزراء المكلفين بالتعليم العالي والوظيفة العمومية، وعند الاقتضاء الوزير الوصي على المؤسسة المستفيدة.

ويكشف هذا المسار عن أن منح صفة مدرس مشارك أو باحث مشارك ليس إجراءً فرديا أو تلقائيا، وإنما يخضع لمسطرة مؤسسية وإدارية محددة. ومن هنا، تبرز أهمية تفعيل هذه المادة من طرف مؤسسات التعليم العالي، من خلال تحديد حاجاتها من الكفاءات، ودراسة الملفات المستوفية للشروط، ورفع المقترحات إلى الجهات المختصة. خامسا: آفاق إنهاء إشكالية العقدويين ومسؤولية مؤسسات التعليم العاليإن المقتضيات المتقدمة، ولا سيما المواد 10 و28 و34، إلى جانب أحكام الباب الرابع، تؤكد أن المشرع الموريتاني أقر بوجود فئة عقدوية تساهم في أداء مهام التدريس والبحث، ووضع لها إطارا قانونيا خاصا.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص القانونية وحدها، بل في مدى تفعيلها والاستجابة لمقتضياتها من طرف مؤسسات التعليم العالي والجهات الإدارية المعنية. فهل ستبادر هذه المؤسسات إلى تفعيل مقتضيات المرسوم، ولا سيما المادة 113، بما يتيح الاستفادة من الكفاءات الوطنية ذات الخبرة المهنية والعلمية؟ وهل ستكون هذه النصوص مدخلا عمليا لإنهاء الإشكال الذي ظل يؤرق العقدويين، أم ستظل مجرد مقتضيات قانونية دون أثر ملموس على واقعهم المهني؟ إن الاستجابة لهذه التساؤلات تقتضي إرادة مؤسسية جادة، تقوم على احترام القانون، وتفعيل الإجراءات المنصوص عليها، والنظر إلى العقدويين باعتبارهم رصيدا علميا ومهنيا يمكن أن يسهم في تطوير التعليم العالي والبحث العلمي. كما أن إنهاء إشكالية العقدويين لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد مطلب فئوي، بل بوصفه قضية ترتبط باستقرار المنظومة الأكاديمية، وتثمين الكفاءات الوطنية، وتحقيق الإنصاف في المجال المهني.

خاتمة:إن المرسوم الجديد، بما تضمنه من مقتضيات متعلقة بالعقدويين، يفتح نافذة قانونية مهمة لمعالجة جانب من الإشكالات المرتبطة بوضعيتهم في مؤسسات التعليم العالي. ويبقى الرهان الحقيقي هو مدى استعداد المؤسسات الجامعية والجهات الوصية لتفعيل هذه المقتضيات، والانتقال بها من النص إلى التطبيق، بما ينسجم مع روح القانون وأهدافه. فهل تكون هذه المقتضيات بداية فعلية لإنهاء إشكالية العقدويين في التعليم العالي الموريتاني، وتحقيق ما يتطلعون إليه من إنصاف واستقرار مهني، أم أن الأمر سيظل رهينا بمدى تجاوب المؤسسات المعنية؟ ذلك ما ينتظر أن تكشف عنه المرحلة المقبلة، في ظل الحاجة الملحة إلى تثمين الكفاءات الوطنية، وتعزيز العدالة المهنية، والارتقاء بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع