جدو ولد خطري يكتب مقالا جديدا : " أَلْوالبْ"
في خمسينات القرن الماضي، تنبسط بطحاء الوادي فسيحةً حتى سفح الجبل، تنتشر فيها أشجار الطلح كظلالٍ قديمة، وسماءٌ خريفية تسبح فيها المزن، ورائحة حطب تازِّنت وشايٍ تختلط في الهواء. قرب الرحل، بعيرٌ يُنحر، ...
Il ressort que في خمسينات القرن الماضي، تنبسط بطحاء الوادي فسيحةً حتى سفح الجبل، تنتشر فيها أشجار الطلح كظلالٍ قديمة، وسماءٌ خريفية تسبح فيها المزن، ورائحة حطب تازِّنت وشايٍ تختلط في الهواء. قرب الرحل، بعيرٌ يُنحر، وعمالٌ بعضهم يقطّع اللحم، وبعضهم يحفر حفرة الشواء، وآخر يُقيم الشاي على نارٍ هادئة. وفي ظل طلحةٍ وارفة، كانت الجماعة قد أناخت منذ الصباح؛ بنادق من نوع الوروار مسندةٌ إلى جذعها، وشيخٌ وقور مهاب موطأ الأكناف يتوسطهم، بجانبه بعض حاشيته، وبينهم رجلٌ عليه سيما الصالحين، هادئ الطرف، قليل الكلام، يشربون الشاي وينتظرون الغداء، وسيرتحلون بين الظهر والعصر إلى حلتهم غير البعيدة.
ومع تصاعد الدخان، بدأ عبق اللحم الطري ينتشر في البطحاء. وبينما هم جلوس، أقبل رجلٌ على جملٍ أبيض أميْنگ، فأناخه غير بعيد، وسلّم على الجمع تحيةً تليق بمقام الشيخ، ثم تقدّم بهدية بعثها إليه الحاكم الفرنسي: بندقية موزر خماسية جديدة، ومئتا رصاصة. أخذها الشيخ، ورفعها إلى ضوء السماء، فأنتر أَگاف مغلاقها بجَرّةٍ واحدة، ونظر في بيت النار الذي يتسع لخمس طلقات، ومرّر كفه على أركيزتها، وجسّ ثقلها وتوازنها، ثم مدّها وناولها الحاضرين قائلًا: «ما رأيكم؟».
تناولها القوم، وكلٌّ أدلى برأيه. قال أحدهم إنها نوعية جديدة وطراز جديد، وهي الأولى من نوعها في تلك الأرض. وعلّق آخر على جعبتها بالإعجاب.
وأثنى ثالث على آسريرها و أڤَادْها. أما رجلٌ من الحاشية يبدو عليه المعرفة والفهم، فقال إن النوعية جيدة، وإن أَلْوالبْها الصغيرة التي تمسك لَڤَادْ من جهة والخشب من جهة جيدة أيضًا، وإن أتْعاييِن القابلة للضبط حسب البعد جيدة، ولوْلبو مونك، وذنبانه شاهر، وسحب أَگاف، ونظر في بيت النار، وفحص المغزل، وقال إن القرس لين. أعجب الشيخ برأيه في نفسه، لكنه لم يُظهر ذلك، ورجل الدين ساكت لا يُدلي، يُصغي ولا يتكلم.
عندها قال رجلٌ قريب منه، بصوتٍ لينٍ وابتسامةٍ لا تفارق شفتيه: «أَلْوالبْ آش، وحديد آش يا الرجاله؟ وكأن البندقية قطعة حديد لا هدية ملك!» ثم استقام في جلسه، وكأنه وجد ما يبحث عنه، فقال: «أجمل ما في هذه البندقية أنها هدية من حاكم فرنسي لشيخنا، ويكفي ذلك من معنى، فهو يخافك ويهديك، وأنت...». فابتسم الشيخ، فهو يعرف هذا الضرب من الرجال. ثم التفت إلى رجل الدين، وكأنه يريد أن يسمع رأيًا آخر، فقال: «وأنت يا شيخنا، ما رأيك بهذه الخماسية؟».
فابتسم الرجل وقال: «اسألوا أهل الذكر»، فعلم الشيخ أنه يعني صاحب الألوالب، فابتسم وقال: «فلنجربها». ثم أشار الشيخ بيده، فذهب أحدهم إلى نحو أربعمائة متر قرب سفح الجبل، ووضع كأسين مليئتين بمسحوق الفحم، كعينين سوداوين تُريان من بعيد. عاد الرجل.
سكت المجلس. وُضعت وسادة على الأرض. انبطح الشيخ.
ضمّ الأركيزة إلى كتفه. ألصق خده عليه. أغمض عينه اليسرى.
فتح اليمنى على أتْعاييِن. نفس. سكون.
زناد. خرجت الرصاصة الأولى، فثارت الأرض. لم يتكلم أحد.
نظر الحاضرون إلى موضع الكأس. لم تصب. أعاد الشيخ.
نفس. سكون. زناد.
جاءت الرصاصة تحت الكأس. اقتربت... ولم تصب.
وأخذ الرصاصة الثالثة. نفس. سكون.
زناد. جاءت فوقها. ثلاث محاولات.
ولا إصابة. والحضور يتابعون. والشيخ لم يصب، وهو من هو.
وصاحب الكلام اللين يبتسم. ناول الشيخ البندقية للرجل الذي أشار إلى الألوالب. أخذها.
نظر إلى مواضع الرصاص. سكت لحظة. عرف ما بها من خلل.
مدّ يده إلى لوْلب ضبط أتْعاييِن. حرّكه من فوق. ثم من الجنب.
ببطء. ثم تنهّد. انبطح مكان الشيخ.
كتف. خد. نفس.
سكون. زناد. ثم سمعوا الصوت.
ونظروا. الكأس الأول قد كُسر. انبهرت الحاشية.
قال: «يا شيخنا، الآن ثبّتها فلتحاول». هنا بادر صاحب الكلام اللين قائلًا: «يا شيخنا، أنت لست مثله؛ فهو يَزْضَف الكاس، وأنت تزْضَفْ لَخْلاگ». ضحك الشيخ.
فضحك الحضور. ثم أخذ الشيخ البندقية. نفس.
سكون. زناد. فكسر الكأس الباقي.
عندها نظر الشيخ إلى البندقية، ثم إلى صاحب الكلام اللين، ثم إلى رجل الدين. سكت، وتذكّر أن المجامل ضروري للمجلس لكنه لا ينفع للفعل كالآخر، وأن أهم ما في البندقية ألوالبها، ما ظهر منها وما بطن: فالصغيرة تمسك المكونات كلها، لولاها لتفكّكت، لكنها لا تُلمس ولا تُحرّك، بل تُصان من دون أن تمسّها يد. والظاهرة—كولب أتْعاييِن—هي التي تُلمس وتُضبط وتُدقّق حسب البعد.
صغارها تحفظ البنية، وظاهرها يضبط المسار. تُنسى حين يعمل كل شيء، وتُذكر حين يختلّ. ونظر إلى صاحب الكلام اللين نظرةً أخيرة، فسكت الرجل، وكأنه عرف أنه لا يُنتظر منه فعل.
ثم التفت إلى رجل الدين وقال: «احفظوا الصغار التي لا تُرى، تُحفظ لكم الكبار التي تُرى؛ فالبندقية تُمسكها ألوالبها، والحلة تُمسكها قيمها وميثاقها». فتبسّم الرجل وقال: «اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، واجعلنا من الشاكرين». فنادى الشيخ أحد الخدم: «آتنا غداءنا»، ثم قال: «صدق الله العظيم».