السياسة·

المفتشية بين الطفرة المنهجية والتحديات الرقابية

يشكل إصدار المفتشية العامة للدولة لتقريرها السنوي الأول المخصص للنشر العام سابقة مؤسسية مهمة في المسار الموريتاني نحو ترسيخ الشفافية والمساءلة. غير أن تقييم أي وثيقة رقابية رسمية لا ينبغي أن يقف...

AI
Alakhbar.infoالنص الأصلي
اقرأ على Alakhbar.info
صورة Alakhbar.info

Il ressort que يشكل إصدار المفتشية العامة للدولة لتقريرها السنوي الأول المخصص للنشر العام سابقة مؤسسية مهمة في المسار الموريتاني نحو ترسيخ الشفافية والمساءلة. غير أن تقييم أي وثيقة رقابية رسمية لا ينبغي أن يقف عند حدود النوايا المعلنة أو ضخامة الأرقام المعروضة بل يستوجب فحصا نقديا لمنهجيتها ولمدى اتساق خطابها مع مخرجاتها الفعلية فضلا عن قياس حجم الفجوة بين ما تكشفه الرقابة وما يترتب عليها من مساءلة حقيقية وأثر رادع. أ‌.

نقاط القوة المنهجية والمؤسسية: يحسب للتقرير تقديمه جملة من المؤشرات الإيجابية التي تستحق التثمين: تمنح هذه العناصر التقرير مصداقية أولية معتبرة، غير أن التدقيق في الأرقام والمؤشرات الواردة في متنه يكشف عن مفارقات جوهرية تستدعي التوقف والتأمل. ب‌. فجوة صارخة بين حجم الاختلالات ومستوى المساءلة: تعد هذه الإشكالية التحدي الأبرز فمن أصل 28 مهمة رقابية مكتملة رصدت 46 نمطا من الاختلالات شملت وقائع خطيرة وصفت صراحة في التقرير مثل: تزوير وثائق رسمية في 4 حالات، واستغلال النفوذ والتواطؤ في 5 حالات، ومنافسة صورية في 12 حالة، وتفاهمات مباشرة غير مبررة في 10 حالات، إلى جانب التنازل غير القانوني عن صفقات وتضارب المصالح.

لم يحل إلى القضاء سوى 4 ملفات فقط ملفان لمحكمة الحسابات وملفان للنيابة العامة. هذا التباين يثير تساؤلات مشروعة: لماذا تحولت نسبة هامشية فقط من الأفعال ذات الطابع الجزائي المحتمل إلى مسار قضائي؟ هل سويت الملفات الأخرى إدارياً؟ أم أنها لا تزال رهن المراجعة القانونية؟ أم صنفت لاحقا كأخطاء تسيير مجردة؟ يترك غياب التوضيح انطباعا بأن مخرجات الرقابة تفرغ تدريجيا من محتواها الزجري. ينسحب الأمر ذاته على الجزاءات الإدارية، إذ اقتصرت العقوبات التأديبية بحق المتورطين عبر 28 مهمة على 20 إقالة، و3 تحويلات تلقائية، و11 إنذارا، بإجمالي قدره 34 إجراء فقط، وهي حصيلة تبدو متواضعة أمام جسامة وتكرار المخالفات الموثقة من عجز في الخزائن، وصرف نفقات بلا مقابل وامتيازات غير مستحقة تكررت وحدها 12 مرة.

ج. تواضع الاسترداد المالي الفعلي: أبرز التقرير رقم 1.298 مليار أوقية تحت بند الإجراءات الوقائية، بيد أن تفكيك هذا الرقم يوضح أن معظمه 603 ملايين يمثل ترشيداً لنفقات قبل صرفها، أو تعليق التزامات مالية 694 مليونا بانتظار تسوية الوضعية دون تحديد سقف زمني ملزم. أما على صعيد الاسترداد النقدي الفعلي للخزينة العامة فلم يتجاوز المبلغ 45.6 مليون أوقية من أصل أثر مالي محدد بـ2.375 مليار أوقية أي أقل من 2%.

وحتى عند احتساب الاسترداد العيني والاقتطاع من المستحقات فإن مجمل ما استرد أو هو في طور الاسترجاع لا يتعدى 22% فقط، بينما يظل 51% من المبالغ عالقا في مسارات قضائية بطيئة، و27% خاضعا لتسويات تصحيحية لا تضمن استرجاع السيولة. هذا يعني عمليا أن الكتلة الكبرى من الأموال العمومية المرصودة كاختلالات لم تعد إلى الخزينة بعد. د.

غياب الشمولية الرقابية وضبابية معايير الاستثناء: تتجلى إحدى أبرز الثغرات الهيكلية في عدم شمولية التفتيش لجميع المؤسسات والهيئات العمومية دون تقديم أي تبرير موضوعي أو منهجي لذلك. إذ اقتصرت التغطية على 28 مهمة فقط بمبلغ إجمالي خاضع للتدقيق قدره 32.86 مليار أوقية على مدى سنتين، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة جداً من الميزانية العامة، ومن مجمل الإنفاق والاستثمار العمومي للدولة. يفتح هذا الاستثناء غير المبرر جملة من علامات الاستفهام: هـ.

إشكاليات الاستقلالية المؤسسية والبعد المقارن: يضع التقرير ارتباط المفتشية برئاسة الجمهورية بوصفه ضمانة للاستقلالية، غير أن هذه التبعية التنفيذية تطرح في المقابل إشكالية رقابة السلطة على أجهزتها دون وجود آلية موازية للإشراف البرلماني أو الإفصاح المستقل. يضاف إلى ذلك اعتماد التقرير أسلوب التعميم الإحصائي من خلال توصيف الجهات بـقطاع وزاري أو مؤسسة عمومية دون تسميتها بالاسم. ورغم وجاهة هذا الخيار لتحصين سرية المساطر القضائية فإنه يحرم الرأي العام والصحافة من أدوات المساءلة المجتمعية المباشرة.

كما يؤدي غياب المقارنات التاريخية لقياس مسارات التراجع أو التصاعد في الفساد، وتراجع المؤشرات المرجعية مع المعايير الدولية إلى عزل نتائج التقرير عن سياق التقييم التراكمي. و. التكرار الهيكلي للمخالفات في الصفقات العمومية: كشف التقرير أن الطلبية العمومية تستأثر وحدها بـ60% من الأثر المالي للاختلالات مع هيمنة أنماط تقليدية مألوفة كالتجزئة الاحتيالية للنفقات والمنافسة الشكلية والتفاهمات المباشرة غير المبررة.

هذا التكرار المزمن يؤكد أن الإجراءات الإصلاحية السابقة لم تلامس الجذور البنيوية للأزمة ما يجعل التعويل على مدونة الطلبية العمومية الجديدة (القانون رقم: 026 - 2026) مرهوناً بالتطبيق الصارم ومؤشرات القياس العملية لمنع تحولها إلى مجرد نصوص تشريعية معطلة. في الختام يمثل التقرير خطوة شجاعة تؤسس لتقاليد الشفافية والانضباط المنهجي إلا أن القراءة الفاحصة تؤكد أن نجاح المنظومة الرقابية لن يقاس بحجم الوثائق المنشورة أو ضخامة المخالفات المرصودة بل بمدى شمولية الرقابة لمفاصل الدولة كافة وتحويل المخرجات إلى إصلاحات إدارية ملزمة، ومساءلة قضائية ناجزة واسترداد فعلي للمال العام. إن التحديات الهيكلية التي شخصتها المفتشية نفسها من ضعف الرقمنة، وقصور نظم الأرشفة، وتعطيل الرقابة الداخلية، وغياب التنسيق بين الهيئات، تتطلب استراتيجية إصلاح وطنية تتكامل فيها جهود السلطة التنفيذية والبرلمان والقضاء لضمان ألا تظل الشفافية إجراءً شكلياً يفتقر إلى قوة الردع المؤسسي.

والله ولي التوفيق.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع