خطاب الوزير الأول أمام البرلمان والرؤية التنموية لموريتانيا 2060
خطاب معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، أمام الجمعية الوطنية، بمناسبة عرض السياسة العامة للحكومة لسنة 2026، جاء محمّلًا برسائل سياسية واقتصادية وتنموية متعددة، عكست ملامح مرحلة جديدة في...

Il ressort que خطاب معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، أمام الجمعية الوطنية، بمناسبة عرض السياسة العامة للحكومة لسنة 2026، جاء محمّلًا برسائل سياسية واقتصادية وتنموية متعددة، عكست ملامح مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحريك عجلة التنمية في الولايات الداخلية، والانتقال نحو تخطيط استراتيجي يستحضر مستقبل البلاد على المدى البعيد.ومن خلال قراءة متأنية لمضامين الخطاب، يمكن الوقوف عند مجموعة من المرتكزات الأساسية التي تشكل جوهر التوجه الحكومي في المرحلة المقبلة، وتكشف عن محاولة للانتقال من إدارة التحديات اليومية إلى معالجة الاختلالات البنيوية التي ظلت تحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب تأكيد الوزير الأول أن الحكومة الحالية تمثل امتدادا للمسار الذي أطلقته الحكومة السابقة، سواء من حيث المرجعية السياسية أو الالتزامات الأساسية المرتبطة بتنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، "طموحي للوطن".هذه الاستمرارية اقترنت بإقرار واضح بوجود نواقص واختلالات، وبضرورة تطوير مناهج العمل وآليات التنسيق والمتابعة، وإعادة ترتيب الأولويات وفقا لما أفرزه تقييم المرحلة الماضية من نتائج وتحديات.وتلك إحدى أهم دلالات الخطاب: الانتقال من منطق الاستمرارية الشكلية إلى مفهوم الاستمرارية المصحوبة بالتقييم والتصحيح. فالحكومات، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تبدأ من الصفر مع كل تغيير، وإنما أن تبني على ما تحقق، وتعالج ما تعثر، وتفتح آفاقًا جديدة لما لم يتحقق بعد. ولعلها رسالة تتجاوز البعد الحكومي لتلامس مسألة أعمق تتعلق بثقافة تسيير الدولة، وأهمية الحفاظ على الذاكرة المؤسسية، وتراكم الخبرات، وضمان استمرارية السياسات العمومية.خصص الخطاب حيزا معتبرا لتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وما ترتب عليها من ارتفاع في الأسعار وتكاليف المعيشة، معتبرا أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وخاصة الفئات الأقل دخلا والأكثر هشاشة، تمثل أولوية عاجلة لا تحتمل التأجيل.تضمن الخطاب حزمة من التدابير المقترحة، من بينها مراجعة آلية تحديد أسعار المحروقات، وتوسيع نطاق تسقيف أسعار المواد الأساسية ليشمل اللحوم، والتدخل لدعم فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل، فضلا عن مراجعة أجور ومعاشات بعض الفئات، وتعزيز الدعم الموجه لذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة.وتكشف هذه الإجراءات عن توجه نحو تعزيز وظيفة الدولة الاجتماعية، من خلال استخدام أدوات السياسة المالية والاجتماعية للتخفيف من آثار الصدمات الخارجية على الأسر.الرهان الحقيقي هو في كيفية تنفيذه هذه التدابير، ودقة تحديد المستفيدين منها، وسرعة وصول الدعم إلى الفئات المستهدفة، مع ضمان استدامة التمويل وعدم الإخلال بالتوازنات المالية للدولة.فالحماية الاجتماعية الفعالة منظومة متكاملة تجمع بين الدخل والخدمات الأساسية وفرص العمل والعدالة في توزيع الفرص.لعل من أهم التحولات التي أبرزها الخطاب الانتقال من التركيز على توفير البنى التحتية والخدمات الأساسية إلى التفكير في كيفية تحويل هذه الاستثمارات العمومية إلى أنشطة اقتصادية منتجة وفرص عمل مستدامة داخل الولايات.فبعد سنوات من الاستثمار في الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والصحة، أصبح التحدي المطروح، وفق الرؤية المعروضة، هو الانتقال إلى مرحلة تثمين هذه المكتسبات، وربطها بديناميكية اقتصادية محلية قادرة على خلق الثروة وتثبيت السكان في مناطقهم.رؤية تعكس إدراكا لأحد الاختلالات البنيوية في النموذج التنموي الوطني، والمتمثل في تمركز جانب كبير من الأنشطة الاقتصادية والخدمات وفرص العمل في العاصمة نواكشوط، وما ينتج عن ذلك من ضغط عمراني وسكاني متزايد، وهجرة داخلية نحو المركز.انطلاقا من ذلك تبرز أهمية البرنامج الاقتصادي الخاص بالولايات الداخلية، القائم على استثمار المزايا النسبية لكل ولاية، وتطوير الزراعة والتنمية الحيوانية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتمويل المبادرات الشبابية، وإنشاء صندوق خاص لتشجيع تمويل التنمية في الداخل.لهذا التوجه أهمية بالغة كونه لا يتعامل مع الولايات الداخلية باعتبارها مجرد مناطق تحتاج إلى تدخلات اجتماعية أو مشاريع بنية تحتية، وإنما باعتبارها فضاءات اقتصادية تمتلك إمكانات إنتاجية ينبغي تحويلها إلى فرص حقيقية للنمو والتشغيل.مع أن نجاح هذا التصور يتطلب الانتقال من البرامج العامة إلى خطط جهوية دقيقة، تحدد لكل ولاية خصوصياتها الاقتصادية، ومجالات الاستثمار ذات الأولوية، والبنى التحتية اللازمة، والفاعلين القادرين على تنفيذ المشاريع.من النقاط اللافتة في الخطاب إدراج التهيئة الحضرية والنظافة وجمع النفايات ومعالجتها ضمن أولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب إعداد المخططات العمرانية وتطوير البنية التحتية للمدن الكبرى.يعكس ذلك تطورا في النظرة إلى التنمية الحضرية، التي لم تعد تقاس فقط بمدى توفر الطرق والمياه والكهرباء والمنشآت العمومية، فأصبحت جودة المجال الحضري، ونظافة المدن، وتنظيم التوسع العمراني، وتوفر الحدائق والساحات والفضاءات الخضراء، عناصر أساسية في تقييم جودة الحياة ومستوى التنمية.وفي هذا السياق، تكتسي الدعوة إلى إصلاح منظومة جمع النفايات ومعالجتها أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تعانيه المدن الموريتانية من اختلالات في هذا المجال، وما يترتب عليها من آثار بيئية وصحية وجمالية.كما أن إعداد برامج للتهيئة الحضرية لمدينتي نواكشوط ونواذيبو، والاهتمام بالصرف الصحي وتبليط الشوارع الرئيسية وتشجيرها وتهيئة الساحات العمومية والمناطق الشاطئية، يمثل توجهًا نحو إعادة الاعتبار للوظيفة الحضرية والجمالية للمدينة.ويعكس كل ذلك أهمية التكامل بين التخطيط العمراني، وتنفيذ المشاريع، والصيانة الدورية للمنشآت والفضاءات العمومية، باعتبار أن جودة المدينة تتطلب كذلك ضمان استدامتها والمحافظة على جاهزيتها ووظيفتها.يمثل الإعلان عن إطلاق مسار إعداد رؤية وطنية لموريتانيا في أفق 2060 أحد أبرز المحاور الاستراتيجية في الخطاب.فالدعوة إلى التفكير في موريتانيا بعد مائة سنة من الاستقلال تحمل دلالة تتجاوز البعد الرمزي؛ إذ تعكس إدراكًا لحاجة البلاد إلى نموذج تنموي طويل الأمد، لا تتغير خياراته الأساسية بتغير الحكومات أو الفرق الإدارية.وقد أشار الوزير الأول بوضوح إلى الكلفة التي تحملتها البلاد نتيجة تكرار البدايات مع كل تغيير سياسي أو إداري، وما ترتب على ذلك من فقدان للوقت والموارد والخبرات المتراكمة.تحمل هذه الرؤية القدرة على وضع إطار مرجعي موحد للسياسات العمومية، يحدد الخيارات الكبرى للدولة في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية والعمران والبيئة والتنمية البشرية.في انتظار أن يستند إعداد رؤية 2060 إلى تشخيص علمي دقيق للإمكانات الوطنية والتحديات المستقبلية، وأن يترجم إلى مخطط وطني للتنمية، يتضمن أهدافًا قابلة للقياس، وبرامج محددة، وأولويات واضحة، وآليات للتمويل والمتابعة والتقييم.ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بمدى إشراك الكفاءات الوطنية والجامعات والقطاع الخاص والشباب والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وضمان استمرارية الالتزام به على مستوى مؤسسات الدولة.لم يغفل الخطاب أحد أهم شروط نجاح أي مشروع تنموي، وهو إصلاح الإدارة العمومية.فالإعلان عن وضع معايير موضوعية للترقية في الوظيفة العمومية، تقوم على الأقدمية والتجربة والتخصص والكفاءة وحسن الأداء، مع التمييز بين المناصب الإدارية والمناصب ذات الطبيعة السياسية، يمثل خطوة مهمًة نحو تعزيز مهنية الإدارة وترسيخ مبدأ الاستحقاق.كما أن التركيز على التكوين المستمر ونقل الخبرات، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، يعكس إدراكا بأن الإدارة لم تعد مطالبة بمجرد تنفيذ الإجراءات الإدارية التقليدية، وإنما أصبحت مطالبة بامتلاك أدوات التخطيط والتحليل والتقييم والتدبير الحديث.غير أن الإصلاح الإداري الحقيقي يتطلب، إلى جانب النصوص التنظيمية، تطوير ثقافة الأداء والمسؤولية، وربط الترقية بالنتائج، وتحديث طرق العمل، وتوسيع الرقمنة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات، وترسيخ مبدأ المساءلة.فمن غير الممكن بناء نموذج تنموي طموح بأدوات إدارية تقليدية، ولا تحقيق نتائج مستدامة دون جهاز إداري مؤهل وفعال وقادر على تحويل القرارات والسياسات إلى إنجازات ملموسة.لعل التحدي الذي تعرفه المرحلة هو عدم توقفه على تعبئة التمويلات أو إطلاق المشاريع، لكنه أصبح مرتبطا بجودة التنفيذ، واحترام الآجال، وفعالية التنسيق بين القطاعات، والقدرة على قياس الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة المواطنين.من الوارد إبراز أهمية اعتماد مؤشرات واضحة للأداء، وتحديد المسؤوليات بدقة، وإرساء آليات دورية للتقييم والمساءلة، بما يسمح بالتمييز بين ما أُعلن عنه، وما تم إطلاقه، وما اكتمل إنجازه، وما انعكس بالفعل على حياة المواطنين.كما أن التوازن بين التدخلات الاجتماعية العاجلة والاستثمارات الهيكلية طويلة الأمد يتطلب حماية القدرة الشرائية للمواطنين دون التضحية بالاستقرار المالي، وتحفيز الاستثمار دون إغفال العدالة الاجتماعية، وتطوير المدن والولايات دون خلق اختلالات جديدة في توزيع الموارد والفرص.في المحصلة، يمكن قراءة خطاب الوزير الأول باعتباره إعلانًا عن انتقال في ترتيب أولويات العمل الحكومي، من مرحلة تركزت بدرجة كبيرة على توسيع البنى التحتية والنفاذ إلى الخدمات الأساسية، إلى مرحلة تستهدف تثمين تلك الاستثمارات، وتحويلها إلى ديناميكية اقتصادية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للتنمية الحضرية، ووضع أسس تخطيط استراتيجي طويل الأمد.إن أبرز ما يميز هذا التوجه هو الجمع بين ثلاثة مستويات من العمل: الاستجابة العاجلة للضغوط المعيشية، وإطلاق ديناميكية اقتصادية وتنموية في الولايات الداخلية، والتأسيس لرؤية وطنية بعيدة المدى تستحضر موريتانيا 2060.وهي مقاربة تحمل طموحا مهما، لكنها تضع في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على عاتق الجهاز الحكومي والإداري، لأن قيمة السياسات العمومية تقاس بقدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام في حياة المواطنين.فالمواطن ينتظر أن يلمس أثر هذه الرؤية في دخله، وفي جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وفي توفر الماء والكهرباء، وفي نظافة مدينته وجمال فضائه الحضري، وفي فرص العمل والاستثمار المتاحة أمام أبنائه.وبين وضوح الرؤية وفعالية التنفيذ تتحدد قدرة المرحلة المقبلة على الانتقال من طموح التخطيط إلى واقع التنمية، ومن تراكم المشاريع إلى بناء نموذج تنموي وطني مستدام.إن ما يبعث على التفاؤل هو وضوح الاتجاه الذي تسير فيه السياسات العمومية، وتكامل الأولويات المطروحة مع الرؤية الوطنية بعيدة المدى، فضلا عن الإرادة المعلنة لمواصلة الإصلاح، وتطوير أداء المرافق العمومية، وتعزيز حضور الدولة في مختلف المجالات والمناطق.إن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لتعزيز المكتسبات، وتسريع وتيرة الإنجاز، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته، بما يجعل من كل مشروع منجز وكل سياسة عمومية ناجحة لبنة إضافية في بناء موريتانيا التي نتطلع إليها.ختاما، نثمن مضامين خطاب معالي الوزير الأول، سائلين المولى عز وجل أن يوفق فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومعالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، وأعضاء الحكومة كافة، في أداء مهامهم الوطنية، وأن يسدد خطاهم لما فيه خير موريتانيا ورفعتها وازدهارها، وأن يكلل جهودهم بمزيد من النجاحات والإنجازات.