الإيمانُ يمانٍ والحكمةُ يمانية
بقلم: عزالدين مصطفى جلوليمن ينظر إلى هذه الحوادث في الزمن لا عبره لن يتمكن من مقاربة ما يجري من تطورات في باب المندب كما يجب، وبالتالي لن يستطيع اتخاذ الموقف الصحيح من هذه الأزمة ولو كان أصحابها...

Il ressort que بقلم: عزالدين مصطفى جلوليمن ينظر إلى هذه الحوادث في الزمن لا عبره لن يتمكن من مقاربة ما يجري من تطورات في باب المندب كما يجب، وبالتالي لن يستطيع اتخاذ الموقف الصحيح من هذه الأزمة ولو كان أصحابها بحجم دول. سيطرة الحوثيين - وهم قسم من الشعب اليمني ولم يأتوا من بلاد فارس - ليس معزولا عن معركة طوفان الأقصى، ولا عن السيطرة الغربية تاريخيا على المشرق الإسلامي وزرع دولة إرهابية في قلبه ليس لها دور إلا خلق الأزمات لشعوب المنطقة ولمن أسسها ودعمها كذلك. إن مقاربة العقل الغربي وحلفائه الليبراليين في المنطقة مقاربة تبئيرية، وكأن المضايق ممرات دولية بحتة ليست واقعة في جزيرة العرب، والتي هي قلب العالم الإسلامي.
اندفاع القوات اليمنية ومن ورائها السعودية من أجل الحسم في هذه المعركة أمر متعذر عليهم بهذه السرعة، على فرض توالي الانهيارات الحوثية. لأن هذا النوع من الحروب الاستنزافية طويل الأمد لتعلقه بعقيدة وبيئة اجتماعية حاضنة. أي أن التمدد أو الانحسار لا يعني نهاية الحرب كما تريدها السعودية والغرب لتأمين سلاسل توريد الطاقة، التي هي عصب الاقتصاد العالمي.
الكل يدعي أنه حرر مدينة وأسقط أخرى والجميع يكبر "الله أكبر"، ثم يؤذن المؤذن فيصلون، ثم يمتطون مراكبهم العسكرية ويقتتلون، والجميع يمنيون! وحتى إذا كانت انتصارات الزاحفين تخلية للطريق أمامهم وليست انهزاما فإن السيطرة على باب المندب تعقد الوضع الدولي على غزاة المنطقة وتعطي الأفضلية لأنصار الله ولو إلى حين، من أجل تضييق الخناق على أكثر من جهة وخاصة على الصهاينة. السعودية وحلفاؤها يفتقدون إلى أجندة مشروعة وشرعية للانتصار في مثل هذه الحروب، لأن {الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين}.
الحرب الأولى لم تتوقف إنها لا تزال مشتعلة في غزة وفي الضفة وجنوب لبنان، على السعودية وإيران أن تغلبا مصالح الأمة وتتوحدا لتحرير الأقصى وطرد الغزاة، وإلا فهي ساعة من نهار وينزع الله الملك منهما ويؤتيه قوما آخرين، قوما ليسوا بطائفيين ولا ليبراليين وإنما مؤمنون مجاهدون. نعم إن كلتا الطائفتين مسلمتان، وكلتاهما أحسنتا من وجه وأساءتا من آخر، أساءتا بموالاة الأجنبي وبالبغي على الأمة، وأحسنتا بالحفاظ على اللحمة وبإسناد غزة. ولو أنهما جمعتا ما أحسنتا وتركتا ما أساءتا لجمعتا الحكمة والإيمان وأفرحتا بهما من بشرهما بذلك.
ثم إن نفاق الكفر لا حدود له، "سيرجي لافروف" يتحدث عن الحل السلمي ويشفق على السعودية؟! روسيا التي تجني المليارات من كل أزمة نفط دولية، فمن يصدق هذه النكتة؟ على أهلنا في الخليج أن يمنعوا الولايات المتحدة من العبث بأمن جزيرة العرب، وأن يأخذوا الدرس من اليمين المتطرف في ألمانيا، حينما قال "كفى" لحكومات بلاده! قالها عبر الصندوق الانتخابي المحرومة منه شعوبنا المستعبدة، وإن قول الحق للحكام المراهنين على الأجنبي له سبل كثيرة متاحة للناس، ويمكن إبداع أخرى لا ترد على الخاطر.
وإن الله ورسوله والمؤمنين سيرون ما نحن فاعلون. سبحان الله أية غفلة هذه وأية علمانية يفكر بها هؤلاء الإعلاميون؟ منذ أيام والقنوات العربية تشيد بالقوات اليمنية وتتحدث عن فتح جبهات لتشتيت الحوثيين، ثم يعم الصمت ويظهر الوجوم فجأة على الصحفيين والصحفيات والمحللين والمحللات وكأنه أسقط في أيديهم. وليتهم استطاعوا أن يذكروا للناس ذكرا فقط الفارق بين من يقاتل عقيدة ويرجو النصر من عند الله وهو على طائفيته، وبين من يقاتل لأجل مصالحه الدنيوية ويعول على القوات السعودية والأمريكية، من دون أن يقدر الله حق قدره.
قال تعالى: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}. فما الفرق إذن بين الإعلام الغربي والإعلام الناطق بالعربية والممول خليجيا؟ الروح هي نفسها ولا فرق بينهما في الجوهر. إذا كان تحليل الصراع في اليمن وكأنه صراع على المضيق من أجل السيطرة على الممرات التجارية في خضم صراع إقليمي، فهذا تسطيح في الفهم أو رؤية مغرضة.
لا بد من توظيف المدخلات الأساسية في التحليل، والتي تغوص إلى معنى الصراع كظاهرة يرسلها الله بين البشر، وظاهرة مرتبطة أساسا بحقوق الله التي طلب من الناس إيفاءها، كقضية الحاكمية للإله، والبراءة من المشركين، ورفع الظلم بإقامة الحق المنزل، وصون الأمة التي أخرجت للناس فلا يهلكها عدو ولا يتسلط عليها طاغ... ومن ثم مقايسة ذلك كله في الواقع اليمني لتظهر صورة المتقاتلين على حقيقتها في ضوء تلك الرؤية القرآنية، والتي هي غائبة كليا عن العقول الفاعلة وكأننا غير مؤمنين بالله سبحانه! النازحون في زمن الحروب ورقة توت ليس إلا، تغطي على النوايا الحقيقية لكل طرف، الغزاة والتحالف والحوثيون.
ولو كان يشفق هؤلاء المتنازعون على النازحين لما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يشاء. مصلحة المسلمين في كل هذه الخلطة أن يلحق الضرر بالصهاينة وبكل غاز أتى إلى المنطقة ليحمي نظاما أو ليفرض على أهلها أجندته الخاصة. علما بأن عموم الأمة يرقب هذه التطورات، ومزاجه العام مع المصالح العليا للأمة، و "لن تجتمع أمتي على ضلالة".
التحالفات والشراكات كلها رقصات تشبه رعشات الديك المذبوح. إنها محاولات إنقاذ فاشلة لنظام عربي ساد عقودا، وُجد أصلا من أجل حماية المصالح الغربية لقاء حمايته هو أيضا، ولن تنجده محاولات النجاة من الهلاك وقد بانت مقاتله. ومن عجب ألا ترى من حكام السعودية ومصر يقظة تحفظ توازن السفينة من الاضطراب!
فالمقاربة الأمنية أثبتت فشلها منذ "عاصفة الحزم" بل ومن قبلها في حروب نظام علي عبد لله صالح اليمني ضد مناوئيه، وإن السعي لإيجاد شراكات اقتصادية مع مصر أو مع الأردن وسورية فكرة غير عملية لأنه لا مظلة تحميها من الطيران المسير والصواريخ الباليستية. إذن هذه الأنظمة بدأت تختنق وتلفظ أنفاسها الأخيرة. ولا يعني أن الحلف الإيراني - الحوثي هو المنتصر، بل إن هذا الصراع البيني قد يودي بالجميع إلى الغرق؛ وبالمحصلة، فأن تعود هذه الأنظمة إلى رشدها بتحكيم إرادة الله فيها وفي الأمة المحمدية فذلك خير، وإلا فإن المنطقة كلها تستحق حكاما غير هؤلاء تماما، حكاما يجدون صيغة شرعية للعيش الكريم بين مكونات الأمة جمعاء، صيغة تحفظ حقوق الله تعالى، وحقوق المسلمين، والحقوق المشروعة للأمم الأخرى كذلك.
بمعنى أن تحييد الصراع الحضاري بين الغرب والشرق الإسلامي لن يمكن أحدا من المتضررين من فك لغز ما يحدث اليوم ولا من الخروج منه بسلام، لأنه إذا فهم الصراع على الطريقة الخليجية المخملية فإن أياما سودا قادمة عليها جراء استنكافها عن التصرف وفق عقيدتها وتاريخها، وتفضيلها التصرف وفق ما تمليه عليها موجات البث الأوروبية والأمريكية؛ إذن الحل بسيط ومنطقي ويتجاوز كل هذه التشنجات والتحالفات التي تذكي الصراع ولا تطفئه، أن يعترف كل طرف من الغرب والشرق بالآخر ويسلم له بما لديه من أوراق، ويتعاون الجميع على التعايش في إطار علاقات احترام متبادل وسلام. وعليه فإن خيار المواجهة بين "المتقاتلين المؤمنين" ها هنا سيحقق خسارتين كبيرتين للطائفتين وربحا خالصا للأعداء؛ خسارة السعودية لمداخيلها من المحروقات وعلى المدى البعيد إفلاس الدولة وربما انهيارها، وخسارة الحوثيين للأنفس التي كان من المفروض أن ترتقي إلى بارئها في سبيل تحرير الأقصى وإسناد غزة. وربح خالص للصهاينة المستفردين بلبنان والضفة الغربية في هذه الأيام.
وستقرأ الأجيال القادمة عوار هذه المواجهة وتهزأ، وسيلعن التاريخ المتقاتلين كما لعن ملوك الطوائف من قبل، وسيندم الجميع على ما كسبت أيديهم في الآخرة يوم لا ينفع الندم.