السياسة·

تقرير التفتيش العام للدولة: ماذا تخبرنا الأرقام حقًا عن إدارتنا العامة؟

هناك طريقة سهلة لقراءة تقرير مثل تقرير التفتيش العام للدولة: تصفح الأرقام بسرعة، التوقف عند الأكثر إثارة للإعجاب بينها، ثم التعبير عن...

LD
La Dépêcheمترجم من الفرنسية
اقرأ على La Dépêche
صورة La Dépêche

Il ressort que il ressort que **رقم يطمئن، سؤال لا يغلق نفسه** ما يجذب انتباه القارئ أولًا هو أن التفتيش حدد تأثيرًا ماليًا للمخالفات يبلغ **2 375 239 189 أوقية**، من إجمالي أكثر من **32,86 مليار أوقية** خضعت للتدقيق، مع توضيح أن هذا التأثير المالي المحدد تم استرداده بالكامل. هذه، بصراحة، أخبار سارة. استرداد الأموال العامة ليس تفصيلًا بسيطًا: إنه جوهر أي مراقبة جادة، ويمنح المكلف سببًا مشروعًا للاعتقاد بوجود يقظة فعلية.

لكن لا يمكنني الاكتفاء بهذا الشعور بالارتياح، لأن سؤالًا أساسيًا يبقى: لماذا حدث هذا الخلل في الأصل؟ عندما تدفع جهة عامة مقابل أعمال غير منفذة، أو مقابل خدمات لا تتطابق مع المواصفات المتفق عليها، فإن استعادة هذا المال خطوة ضرورية، لكنها لا تغلق القصة. السؤال يبقى: أين كانت عيون الرقابة في ذلك الوقت؟ من كان يتابع تقدم الأعمال يومًا بعد يوم؟ من وقع على استلام المشروع وهو يعلم—أو كان يجب أن يعلم—أنه غير مكتمل؟ وكيف استطاعت هذه المخالفة أن تمر عبر جميع هذه المراحل، واحدة تلو الأخرى، لتُكتشف في النهاية من قبل التفتيش؟ هذه الأسئلة، أكثر من الأرقام نفسها، هي التي تعطي التقرير قيمته الحقيقية. إنها تنتقل بنا من نقاش «كم استرددنا؟» إلى نقاش أعمق بكثير: «كيف ندير أموالنا العامة فعلاً؟» **عندما تتكرر القصة بأسماء مختلفة** تزداد الصورة وضوحًا عند مراجعة قائمة المخالفات التي رصدها التفتيش: مبالغ دفعت لأعمال جزئية غير منفذة أو غير مطابقة، غرامات تأخير لم تُسترد، فواتير زائدة، ديون الدولة التي ظلت في أدراج المدينين، ضرائب لم تُخصم من المصدر، نفقات بلا مقابل حقيقي، نفقات غير مبررة بشكل كافٍ، ومزايا منحت لموظفين دون حق.

كل حالة على حدة قد تبدو مجرد خطأ إداري بسيط، سهل التصحيح. لكن عندما تُجمع في تقرير واحد، تُرسم حدود مشكلة أعمق: مشكلة تمس كل دورة الإدارة العامة. فالأموال العامة نادرًا ما تُفقد في عمل فساد واحد كبير ومثير.

غالبًا ما يبدأ الأمر بتساهل بسيط تجاه إجراء روتيني، توقيع لا ينبغي أن يُوضع، عقد غير مُنظم، مراقبة داخلية نائمة مؤقتًا. ثم، مع التكرار، يصبح الاستثناء قاعدة، وتصبح تصحيحها أصعب بكثير مما كانت ستكون عليه الوقاية الأولية. لهذا ما أثّر فيّ أكثر في هذا التقرير ليس فقط المخالفات ذات الأثر المالي المُقَيَّم، بل تلك التي لم يُستطع تحديد أثرها المالي المباشر—لأنها الأكثر خطورة، إذ تظل صامتة رقمياً: **16 حالة فشل في الرقابة الداخلية، 12 حالة منافسة وهمية، 10 حالات اتفاق مباشر غير مبرر أو تجاوز حد الصلاحية**، بالإضافة إلى حالات تتعلق بالشفافية، تجزئة النفقات، ومشاريع أُنجزت ثم تُركت مهجورة دون استغلال.

هذه الأرقام تهمس بشيء بسيط لكنه أساسي: بعض الأخطاء تكلف الدولة مالًا اليوم، وأخرى أخطر لأنها تُعدّ الأرضية لخسائر أكبر غدًا. الرقابة الداخلية هي الخط الأول للدفاع، الحارس المفترض أن يكتشف الخلل قبل أن تُجبر هيئات الرقابة الخارجية على التدخل ميدانيًا. وعندما يكتشف المفتش الخارجي مرارًا وتكرارًا أخطاء كان من المفترض أن تلتقطها الرقابة الداخلية، لا يقتصر السؤال على «من ارتكب الخطأ؟» بل يصبح: «لماذا لم يُكتشف الخطأ من داخل المؤسسة؟» في رأيي، إصلاح هذه الرقابة الداخلية ليس أقل إلحاحًا من إصلاح هيئات التفتيش نفسها؛ وقد يسبقها أولوية.

**عندما يمر المال عبر باب ضيق: المشتريات العامة** من بين الملفات التي تُظهرها البيانات بوضوح، يبرز ملف المشتريات العامة، الذي وصفه التقرير بأنه المجال الأكثر عرضة للمخاطر. وهذا منطقي إذا اعتبرنا حجم الأموال التي تمر عبر العقود العامة وتعدد مراحلها: من التخطيط إلى الإبرام، ثم التنفيذ والاستلام. المشكلة نادرًا ما تكون في العقد نفسه كوثيقة.

قد يبدو العقد مثاليًا على الورق، ثم ينهار على الأرض بسبب غياب المتابعة الفعلية للأعمال والخدمات. لذلك، فإن رقمنة الصفقات، التطبيق الصارم لقانون المشتريات العامة، وتعزيز الرقابة أثناء التنفيذ—not فقط بعده—ليست مجرد إجراءات تقنية جافة، بل هي في جوهرها معركة يومية لحماية المال العام من تآكله الصامت. **عندما يحمل الرقم وجهًا إنسانيًا** ما يكشفه التقرير عن قطاع الحماية الاجتماعية يستحق وقفة مختلفة—أكثر هدوءًا وتفكيرًا.

هذا القطاع، بطبيعته، يخدم الفئات الأكثر احتياجًا للدعم. لذا، عندما يتحدث التقرير عن أموال مخصصة لأنشطة توليد دخل غير مستردة، أو تمويلات وضعت في مؤسسة مالية متعثرة، أو نفقات نفذت خارج قواعد المحاسبة العامة، أو أعمال نفذت دون أساس تعاقدي، لا يجب أن نكتفي بقراءة محاسبية بحتة. فخلف كل برنامج اجتماعي إنسان حقيقي: عائلة انتظرت مساعدة جاءت متأخرة، شاب وضع آماله في تمويل مشروع صغير، امرأة ارتأت أن نشاطًا مولدًا للدخل سيُغيّر وضع أطفالها.

عندما تُفقد هذه الأموال أو تُدار بشكل سيء، فإن الخسارة لا تُقاس بالأرقام فقط—إنها فرصة بشرية ضائعة. وبالتالي، حماية أموال البرامج الاجتماعية تتجاوز الالتزام المحاسبي البسيط؛ إنها مسؤولية أخلاقية بحد ذاتها. في هذا السياق، توصية التفتيش بإنشاء نظام معلومات لتتبع وإدارة المساعدات المالية تُظهر ما هو أكثر من إجراء تقني: إذا استُغلت الرقمنة بشكل جيد، يمكن أن تجعل مسار كل أوقية أكثر شفافية، تكشف أين ذهبت، من استفاد منها فعلاً، هل خُصصت للغرض المقصود، وهل سُددت القروض والديون في الوقت المحدد.

**الرقم الذي يستحق الوقوف عنده** لكن الرقم الأكثر إبهارًا في جميع التقرير ربما يكون: **66 %**—نسبة تنفيذ الإجراءات المتعلقة بتوصيات الرقابة. هذا يعني أن **231 إجراءً من أصل 348** تم تنفيذها، بينما بقيت الأخرى معلقة خلال الفترة المعنية. وتزداد أهمية هذا الرقم عندما ننظر إلى الفروقات بين القطاعات: **94 %** في الزراعة مقابل **34 %** فقط في الحماية الاجتماعية.

لا أظن أن هذه الفجوة تسمح لنا بالاستنتاج السريع أن قطاعًا «نزيه» والآخر «فاسد»—هذا تبسيط مضلل لواقع أكثر تعقيدًا. لكنها تفرض علينا سؤالًا مشروعًا: لماذا تنجح بعض القطاعات في تنفيذ التوصيات أفضل من غيرها، وبفارق كبير كهذا؟ هل هو سؤال قدرات المسؤولين المعنيين؟ وضوح التوصيات وقابليتها للتطبيق؟ ضعف آليات المتابعة؟ غياب أدوات ملزمة تحوّل التوصية إلى واجب؟ أم—والفرضية الأكثر إزعاجًا—ثقافة إدارية ما زالت تعتبر توصيات الرقابة شيئًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية؟ في رأيي، هذه النقطة تُعد جوهر هذا التقرير—وربما جوهر أي معضلة رقابية في أي إدارة. **عندما ينتهي التقرير، تبدأ أصعب مرحلة** الرقابة لا تتوقف عندما يغادر المفتش مكتبه ويضع تقريره على الطاولة.

هنا تبدأ أصعب مرحلة. قد يكون التقرير ممتازًا، توصياته دقيقة، مخالفاته موثقة بعناية؛ لكن كل هذا يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا لم تُترجم تلك التوصيات إلى قرارات ملموسة، إلى محاسبة فعلية، وإلى إصلاحات حقيقية في العمل اليومي. لذلك أوافق على خاتمة التقرير: فعالية الرقابة لا تُقاس بعدد المهمات المنجزة ولا بحجم الصفحات المكتوبة، بل بمدى تحولها إلى تصحيح فعلي على الأرض.

وأذهب أبعد من ذلك: أفضل تقرير رقابي ليس بالضرورة هو الذي يُظهر أرقاما مذهلة، بل هو الذي يجعل تقرير العام التالي أقل ضرورة لاكتشاف الأخطاء نفسها. من هنا تنبع أهمية الإصلاحات القانونية والمؤسسية المذكورة في التقرير: القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، إقرار الثروات والمصالح، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، رقمنة الصفقات العامة والسجل العقاري، إعداد خرائط مخاطر الفساد، وتطوير منصة لتتبع توصيات هيئات الرقابة. لكن هذه الإجراءات، مهما كانت هامة، لن تكفي إذا بقيت محاصرةً في النصوص، المنصات، والوثائق الرسمية.

الإصلاح الحقيقي يبدأ في مكان أعمق: عندما يشعر كل موظف ومسؤول، في موقعه، أن احترام القانون ليس خيارًا من بين خيارات، وأن المال العام لا يخص شخصًا معينًا بل للجميع، وأن عدم الالتزام بإجراء ما له ثمن واضح ومحدد، وأن المحاسبة لا تتوقف عند الموظف الصغير بينما يتهرب صانع القرار العالي من أي عواقب. **تحذير ضروري** في الوقت نفسه، يجب أن نتجنب إغراء آخر: تحويل تقارير الرقابة إلى أدوات اتهام جماعي أو محاكمات نوايا. ليس كل خطأ فسادًا، ولا كل مخالفة إجرائية دليلًا على سوء نية.

الإدارة، بطبيعتها البشرية، تتعرض للخطأ في كل زمان ومكان. لكن الفرق الحقيقي بين إدارة صحية وإدارة تتعايش مع الخلل يكمن في قدرة الأولى على اكتشاف الخطأ، تصحيحه، محاسبة مسؤوليه، واتخاذ التدابير اللازمة لمنعه من التكرار. وبالمثل، يجب أن يصاحب تعزيز صلاحيات هيئات الرقابة احترام الضمانات القانونية والموضوعية، لكي تظل الرقابة مؤسسة مهنية—not أداة لتسوية حسابات أو معالجة انتقائية للملفات.

**رسالتان في تقرير واحد** في الختام، أرى أن تقرير التفتيش العام للدولة يحمل رسالتين متزامنتين، لا واحدة فقط. الرسالة الأولى مطمئنة: هناك هيئة رقابية توسع أدواتها، تطور منهجياتها، تكتشف المخالفات بدقة متزايدة، تتابع توصياتها، تشارك في بناء جهاز وطني لمكافحة الفساد، وقد نجحت في استرداد كامل الأثر المالي المحدد بمهامها. الرسالة الثانية أكثر إلحاحًا: لا تزال الأعطال المتكررة مستمرة في الإدارة، هناك ضعف هيكلي يضر بالرقابة الداخلية، مخاطر واضحة تحيط بالمشتريات العامة، ويوجد فجوة كبيرة وغير مبررة في تنفيذ التوصيات بين القطاعات.

بين هاتين الرسالتين، يجب أن تكون مواقفنا متوازنة، لا متقلبة. لا ينبغي أن نحتفل باسترداد الأموال كأن المشكلة حُلت نهائيًا، ولا أن نتعامل مع هذا التقرير كأنها نشرة خبر عن وفاة الإدارة العامة بأكملها. الموقف العادل، في رأيي، هو أن نقرؤه كما نقرأ المرآة: يُظهر لنا نقاط القوة التي تستحق التقدير، ونقاط الضعف التي يجب الاعتراف بها دون تهاون أو موقف دفاعي، ومشاريع الإصلاح التي لم تعد تتحمل الانتظار.

الأموال التي تستعيدها الدولة مهمة بلا شك، لكن الأهم هو عدم فقدانها مرة أخرى، بنفس الطريقة، في العام القادم. تنفيذ توصية اليوم هو خطوة إيجابية، لكن الأساس هو أن الإجراءات التي كانت ضرورية أمس تصبح غدًا جزءًا طبيعيًا وواضحًا من العمل اليومي—not استثناءً يُحتفل به كلما تحقق. في النهاية، لا أعتقد أن الإصلاح الإداري الحقيقي دائمًا يحتاج إلى شعارات ضخمة أو خطط كبرى.

يبدأ أحيانًا بشيء بسيط جدًا: موظف يلتزم بالإجراء حتى عندما لا يراه أحد في تلك اللحظة، مسؤول يتابع ملفًا حتى نهايته وليس مجرد توقيعه، مؤسسة تعرف بالضبط إلى أين يذهب مالها، رقابة داخلية تؤدي دورها بالكامل قبل أن تُجبر الرقابة الخارجية على التدخل، وتوصية لا تظل حبيس الورق بل تتحول إلى فعل. فقط عندما تتجمع هذه العناصر البسيطة، سنتمكن حقًا من القول إننا انتقلنا من إدارة تكتشف أخطائها بعد حدوثها، إلى إدارة تتعلم من أخطائها وتمنع تكرارها. وهذا، في رأيي، هو الاختبار الحقيقي الذي يضعه تقرير التفتيش أمام الدولة الموريتانية: ليس اختبارًا للأرقام، بل اختبارًا للإرادة.

**أحمد محمد حمادة** كاتب ومحلل سياسي

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع