المجتمع·

أمخسور يُصدَّق وADN يُشكَّك فيه... أيُّ منطق يحكم العدالة في موريتانيا؟

حين يصبح الموروث الفقهي أقوى من الدليل العلمي، وتتحول التكنولوجيا إلى مجرد واجهة مؤسسية. ثمة مفارقات في حياتنا العامة لا يمكن للمرء أن يمر عليها مرور الكرام، لأنها لا تكشف فقط عن خلل في طريقة التفكير،...

E
Elilamالنص الأصلي
اقرأ على Elilam
صورة Elilam

Il ressort que حين يصبح الموروث الفقهي أقوى من الدليل العلمي، وتتحول التكنولوجيا إلى مجرد واجهة مؤسسية. ثمة مفارقات في حياتنا العامة لا يمكن للمرء أن يمر عليها مرور الكرام، لأنها لا تكشف فقط عن خلل في طريقة التفكير، بل تطرح أسئلة عميقة حول علاقة مؤسساتنا بالعلم، ومدى استعدادها لمراجعة بعض الممارسات التي لم تعد منسجمة مع تطور المعرفة الإنسانية.ومن أغرب هذه المفارقات ما نلمسه في بعض أوجه الممارسة القضائية الموريتانية، عندما نقارن بين تعامل القضاء تاريخياً مع ما يعرف محلياً بـ«أمخسور»، أو الحمل البارك، وبين الجدل الذي رافق التعامل مع نتائج فحوص الحمض النووي (ADN) في بعض القضايا الجنائية.ففي الوقت الذي عرف فيه القضاء الموريتاني أحكاماً استندت إلى اجتهادات فقهية قديمة بشأن إمكان امتداد الحمل لمدد طويلة، تصل في التصورات المتداولة إلى سنوات، نجد أنفسنا اليوم أمام تساؤلات محرجة حول مدى استعداد المؤسسة القضائية للاعتراف بقيمة الأدلة العلمية الحديثة، حتى عندما يتعلق الأمر بوقائع جنائية خطيرة.ولعل قضية الشاب محمدو ولد برو تقدم مثالاً يستحق التوقف عنده.ففي هذه القضية التي هزت الرأي العام الموريتاني، استعانت جهات التحقيق والخبرة بمختبر فرنسي متخصص لإجراء تحاليل الحمض النووي على عينات مرتبطة بملف الجريمة.وبحسب ما نشره محامي الدفاع محمد ولد أمين، وما تداولته وسائل إعلام موريتانية، خلصت نتائج الخبرة الفرنسية إلى أن العينات التي عُثر عليها في بعض الأدلة المادية لا تعود إلى المتهم الذي كان محل دفاعه، وهو ما اعتبره المحامي دليلاً جوهرياً يثير الشك في نسبة الجريمة إليه.ومع ذلك، صدر الحكم بالإعدام على متهمين في القضية سنة 2022، وأثار عدم اعتماد نتائج الخبرة العلمية، وفق رواية الدفاع، جدلاً واسعاً حول طريقة تعامل المحكمة مع هذا الدليل.وهنا لا نريد أن نصدر حكماً ببراءة أحد أو إدانته من خلال مقال صحفي، فذلك من اختصاص القضاء، وإنما نريد أن نطرح سؤالاً أكبر من القضية نفسها:ما قيمة الدليل العلمي إذا كان بإمكان القضاء أن يستبعده دون تقديم تفسير علمي وقانوني مقنع؟والأكثر إثارة للاستغراب أن الدولة الموريتانية لم تكن غافلة عن أهمية هذه التكنولوجيا، بل استثمرت ملايين اليوروهات في إنشاء مختبر للشرطة الفنية والعلمية، يضم وحدة متخصصة في تحليل الحمض النووي، كما استفادت من خبرات وتعاون دوليين في هذا المجال.وقد أشرف رئيس الجمهورية على تدشين هذا المختبر في ديسمبر 2022، باعتباره خطوة مهمة في تحديث وسائل مكافحة الجريمة والتحقيق فيها.وهنا تبرز مفارقة أخرى:إذا كانت الدولة قد أنفقت الأموال، واستعانت بالخبرات الأجنبية، وأنشأت المختبرات من أجل الوصول إلى الحقيقة عبر الأدلة العلمية، فما الذي يمنع أن تكون لهذه الأدلة مكانتها الحقيقية أمام القضاء؟هل نريد مختبراً علمياً لتزيين واجهة المؤسسات الأمنية، أم نريده أداة حقيقية تساعد القاضي على الوصول إلى الحقيقة؟إن العلم الجنائي لا يطلب من القاضي أن يتنازل عن سلطته في تقدير الأدلة، ولا أن يحكم آلياً بما تقوله المختبرات. لكنه يفرض عليه أن يتعامل مع نتائج الخبرة العلمية بجدية، وأن يبين أسباب قبولها أو استبعادها، خصوص اً عندما تكون ذات صلة مباشرة بجوهر القضية.فالقاضي ليس مطالباً بأن يكون عالماً في البيولوجيا الجزيئية، لكنه مطالب بأن يستعين بالعلماء والخبراء عندما تصبح المعرفة العلمية ضرورية لفهم الوقائع.ومن هنا نعود إلى مفارقة أمخسوركيف أمكن في بعض الاجتهادات القضائية القديمة أن تحظى فرضية بقاء الجنين في رحم أمه لسنوات بمكانة في إثبات النسب، استناداً إلى تصورات فقهية تاريخية، بينما يصبح الدليل المخبري الحديث موضع تشكيك أو استبعاد في قضية جنائية؟وللتوضيح، فإن مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية لم تقرر سبع سنوات مدة قصوى للحمل، بل حددت أقصاها بسنة قمرية، وأحالت حالات الشك بعد ذلك إلى الخبرة الطبية.

ولذلك فإن الحديث عن السنوات السبع هنا يتعلق بالموروث والتصورات المتداولة، لا بالنص القانوني النافذ.لسنا بصدد مهاجمة الفقه الإسلامي، ولا التقليل من مكانة العلماء الذين اجتهدوا في عصورهم وفق ما توفر لهم من معرفة.لكن الاجتهاد البشري ليس وحياً، والعلوم تتطور، وما كان تقديراً ممكناً في زمن غابت فيه الوسائل الطبية الحديثة لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة علمية أبدية.إن احترام التراث لا يعني تعطيل العقل، واحترام القضاء لا يعني تحصينه من النقد، كما أن استقلال السلطة القضائية لا يعني إعفاءها من واجب التعليل والشفافية.بل إن القضاء الذي يحترم نفسه هو الذي لا يخشى مراجعة أدواته، ولا يعتبر الاستعانة بالخبرة العلمية انتقاصاً من سلطته.ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن القضاء الموريتاني سبق أن أمر بإجراء فحوص ADN في بعض القضايا، وهو ما يعني أن المشكلة ليست رفضاً مطلقاً لهذه التقنية، وإنما تكمن في الحاجة إلى معايير واضحة ومتسقة تحدد متى تُطلب الخبرة، وكيف تُقيَّم نتائجها، وما حدود حجيتها في الإثبات والنفي. إننا لا نطالب بأن يحل المختبر محل القاضي، بل نطالب بألا يحل الانطباع محل المختبر.ولا نطالب بأن يصبح تحليل الحمض النووي دليلاً معصوماً من الخطأ، بل بأن يخضع للفحص والتحقق والمناقشة، شأنه شأن بقية الأدلة.فاحتمال الخطأ في جمع العينات أو حفظها أو تحليلها قائم، ولذلك ينبغي أن تكون هناك ضمانات علمية وإجرائية تضمن سلامة سلسلة حيازة الأدلة، وكفاءة المختبر، وإمكانية مراجعة الخبرة عند الاقتضاء.لكن ما لا يمكن قبوله منطقياً هو أن نستثمر في العلم عندما نكون بصدد إنشاء المؤسسات، ثم نتردد في منحه المكانة التي يستحقها عندما يصل إلى قاعة المحكمة.إن العدالة ليست مجرد إصدار أحكام، وإنما هي الوصول إلى الحقيقة بأكثر الوسائل موثوقية، مع احترام حقوق المتهم والضحية والمجتمع.فليس المطلوب أن ينتصر ADN على القضاء، وإنما أن ينتصر العلم والحقيقة داخل القضاء.وإذا كانت العدالة الموريتانية تريد أن تكسب ثقة المواطنين، فعليها أن تفتح نقاشاً جاداً حول تحديث منظومة الإثبات الجنائي، وإصدار قواعد واضحة لحجية الخبرة الجينية، وتكوين القضاة والمحامين في التعامل مع الأدلة العلمية الحديثة.فلا يعقل أن ندخل القرن الحادي والعشرين بمختبرات حديثة وأجهزة متطورة، ثم نترك بعض منازعاتنا القضائية أسيرة تصورات لا تخضع للمراجعة. أمخسور ليس المشكلة في حد ذاته، وADN ليس عصاً سحرية؛ المشكلة الحقيقية هي ازدواجية المعايير في التعامل مع المعرفة والدليل.وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يواجه به القضاء نفسه:إذا كان من الممكن أن نقبل اجتهاداً قديماً في قضية النسب، فلماذا لا نمنح الدليل العلمي الحديث فرصته الكاملة في قضية جنائية قد تتعلق فيها حياة إنسان أو حريته؟إن العدالة التي تخاف من العلم لا تستطيع أن تطمئن الناس إلى أحكامها، والعدالة التي تستعين بالعلم ثم لا تفسر أسباب استبعاده تترك وراءها أسئلة أكبر من الأحكام نفسها.نريد قضاءً يحترم التراث دون أن يتجمد فيه، ويستفيد من العلم دون أن يستسلم له، ويجعل الحقيقة فوق كل اعتبار.ففي ميزان العدالة، لا ينبغي أن يكون عمر الفكرة أهم من قوة الدليل، ولا أن تكون هيبة الموروث أقوى من حق الإنسان في محاكمة عادلة.Lebatt أحد, 2026/11/08 - 19:24

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع