المجتمع·

حين تعود «المصلي به يعيد سرمدًا» من تحت الرماد

هناك عبارات عنصرية قديمة لم تمت، وإن خفتت أصواتها. عبارات ظلت معششة في نفوس بعض المتعصبين، تنتقل من جيل إلى جيل، وتظهر كلما سنحت لها الفرصة في صورة قرار أو موقف أو إقصاء.من بينها تلك المقولات البائسة ...

E
Elilamالنص الأصلي
اقرأ على Elilam
صورة Elilam

Il ressort que عبارات ظلت معششة في نفوس بعض المتعصبين، تنتقل من جيل إلى جيل، وتظهر كلما سنحت لها الفرصة في صورة قرار أو موقف أو إقصاء.من بينها تلك المقولات البائسة التي حكمت على الإنسان بأصله الاجتماعي، لا بعلمه وتقواه وكفاءته، من قبيل: «والمصلي به يعيد سرمدًا» و«لا خير في الحداد ولو كان عالمًا»، وغيرها من العبارات التي لم تكن مجرد أمثال، وإنما كانت تعبيرًا عن عقلية طبقية وعنصرية أرادت أن تجعل بعض الناس أقل شأنًا من غيرهم مهما بلغوا من العلم والصلاح.واليوم، أمام قضية الإمام الحسن ولد أرماي، الرجل السبعيني الكفيف الذي تقول الرواية المتداولة إنه أمَّ مسجد ميناء الصداقة نحو ثلاثين عامًا، يجد المرء نفسه مضطرًا إلى السؤال:هل ماتت تلك العقلية فعلًا، أم أنها ما زالت حية، لكنها تبحث عن طرق جديدة للتعبير عن نفسها؟الرجل، بحسب ما ورد في التدوينة المتداولة، إمام للمسجد منذ عقود، وله أسرة يعيلها، وراتبه لا يتجاوز 70 ألف أوقية قديمة. وعندما تقرر استبداله بإمام آخر، رفضت جماعة المسجد القرار وتمسكت بإمامها الذي عرفته وألفته طوال ثلاثين عامًا.ثم جاءت الصورة التي تختصر كثيرًا من الكلام: باب المسجد مغلق.صورة بسيطة، لكنها تطرح سؤالًا كبيرًا: لماذا يُغلق بيت من بيوت الله بسبب خلاف حول الإمام؟إذا صحت الرواية القائلة إن إغلاق المسجد جاء نتيجة رفض جماعة المسجد التخلي عن إمامها، فنحن لسنا أمام خلاف إداري عادي، وإنما أمام سابقة تستحق المساءلة.فالمدير، أيًا كان موقعه، لا ينبغي أن يفهم السلطة باعتبارها قدرة على فرض الإرادة بالقفل والمفتاح.فالمسجد ليس مكتبًا إداريًا يُغلق عندما يختلف الناس مع قرار مديره.والمصلون ليسوا موظفين ينتظرون تعليمات المسؤول حتى يقرروا من يصلون خلفه.وإمام المسجد ليس قطعة أثاث يمكن استبدالها دون تفسير أو احترام أو مراعاة لثلاثة عقود من الخدمة.نحن لا نقول إن الإمام لا يجوز تغييره.بل يجوز تغييره إذا كانت هناك أسباب موضوعية، وإذا كانت الجهة المخولة قانونًا قد اتخذت قرارًا معللًا، وإذا كان الاختيار الجديد قائمًا على الكفاءة والاستحقاق.لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: ما هو سبب إبعاد هذا الرجل تحديدًا؟ وهل هو عدم الكفاءة؟ام هو سبب شرعي؟، ام سبب إداري؟ وهل هناك تقييم علمي أو وظيفي؟أم أن المسألة ببساطة أن هناك شخصًا يريد فرض إرادته، وعلى الجميع أن يقولوا نعم؟إن كان هناك سبب موضوعي، فليُعلن. وإن كان هناك خطأ من الإمام، فليُذكر.وإن كان هناك إمام آخر أكثر كفاءة، فليُشرح للناس معيار الاختيار.أما أن يُقال للناس: هذا هو القرار، ثم عندما يرفضون يُغلق المسجد، فهنا تصبح القضية أكبر من الإمام نفسه.هنا تصبح القضية قضية سلطة.والأكثر إيلامًا أن الطرف الأضعف في هذه القصة، بحسب الرواية، رجل مسن كفيف، له عيال، قضى ثلاثة عقود في خدمة المسجد.وهنا لا بد أن نتساءل: أي قوة هذه التي تحتاج إلى أن تواجه شيخًا سبعينيًا كفيفًا لكي تثبت حضورها؟وأي انتصار إداري هذا الذي يتحقق عندما يكون الخصم رجلًا ضعيفًا لا يملك إلا صوته ومحرابه وثقة المصلين به؟فالقوة الحقيقية ليست في أن تغلق باب المسجد، وإنما في أن تستطيع إقناع الناس بعدالة قرارك.أما الأخطر من الواقعة ذاتها فهو أن تعيد إلى الأذهان تلك العقلية القديمة التي كانت ترى الإنسان من خلال طبقته ومهنته وأصله الاجتماعي.لقد قيل قديمًا: لا خير في الحداد ولو كان عالمًالكن الحقيقة التي يجب أن يقتنع بها كل موريتاني اليوم هي عكس ذلك تمامًا:(الخير في الإنسان بعلمه وتقواه وأمانته وكفاءته، لا بمهنته ولا بأصله الاجتماعي).والإمام لا يصبح صالحًا للإمامة لأنه ينتمي إلى فئة اجتماعية معينة، كما لا يصبح غير صالح لها لأنه ينتمي إلى فئة أخرى.فالعلم لا قبيلة له، والتقوى لا طبقة لها، والمسجد ليس ملكًا اجتماعيًا لأحد.لقد آن الأوان لكي ندفن تلك المقولات العنصرية إلى الأبد.

لا أن نعيد إنتاجها في مؤسساتنا ومساجدنا وإداراتنا بأشكال جديدة.وإذا كانت هذه الواقعة مجرد قرار إداري بريء من أي خلفية طبقية أو عنصرية، فإن أفضل رد على كل المشككين هو (الشفافية)أعلنوا أسباب القرار.وضحوا من يملك قانونًا صلاحية تغيير الإمام. وضحوا من يملك صلاحية إغلاق المسجد. ووضحوا لماذا أصبح مسجد يخدم المصلين منذ سنوات مغلقًا.أما إذا كان الإغلاق قد تم بالفعل بسبب تمسك جماعة المسجد بإمامها، فهنا يجب أن يقال بوضوح:لا يجوز تحويل بيوت الله إلى أدوات في صراع النفوذ.

فبيت الله ليس ملكًا للمدير، ولا للموظف، ولا للوجيه، ولا لأي جماعة اجتماعية. إنه بيت للمصلين.والسلطة التي تحترم نفسها لا تستخدم الأبواب والأقفال لإسكات الناس، وإنما تستخدم القانون والحوار والشفافية.أما الإمام الحسن ولد أرماي، فإن كان قد أمَّ الناس ثلاثين عامًا، فإن أقل ما يستحقه في هذه اللحظة ليس الشفقة، وإنما الإنصاف. فلا نريد أن يُبقى إمامًا لأنه كفيف.

ولا نريد أن يُبقى لأنه مسن. ولا نريد أن يُبقى لأنه ضعيف.نريد أن يُعامل مواطن له حقوق، وإمام له تاريخ، وإنسان له كرامة. وإذا كان مستحقًا للإمامة فليبقَ على أساس الكفاءة.وإذا كان غير مستحق لها فليُعزل على أساس واضح وعادل.

هذه هي الدولة التي نريدها.أما أن يصبح لون البشرة أو الأصل الاجتماعي أو المهنة أو النفوذ معيارًا لقيمة الإنسان، فذلك هو الماضي الذي يجب أن نرفض عودته. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سيكون إمام مسجد ميناء الصداقة؟بل السؤال:هل نحن فعلًا تجاوزنا عقلية (المصلي به يعيد سرمدًا ولا خير في الحداد ولو كان عالمًا ؟أم أن تلك العبارات العنصرية ما زالت تعيش بيننا، لكنها غيرت لغتها فقط؟الصورة أمامنا: مسجد وبابه مغلق.أما الحقيقة الكاملة، فعلى من اتخذ القرار أن يشرحها للناس. فبيوت الله لا تُدار بالأهواء، وكرامة الإنسان لا تُغلق بقفل، والسلطة التي لا تستطيع أن تشرح قرارها ليست قوة...

بل مجرد سلطة تبحث عن غطاء. عبدالله لبات جمعة, 2026/10/30 - 14:40

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع