المجتمع·

دموع على مدرج الاداب، حين قبل رئيس الجامعة محمد صادق روح الشاعر النازفة / كتب ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقاما أجمل ما علق في ذاكرتي من شذى ذلك “الزمن الجميل”، وما أروع تلك الأمانة الإنسانية والوجدانية التي...

E
Essadaالنص الأصلي
اقرأ على Essada
صورة Essada

Il ressort que ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقاما أجمل ما علق في ذاكرتي من شذى ذلك “الزمن الجميل”، وما أروع تلك الأمانة الإنسانية والوجدانية التي انقلها إليكم بفصاحة بالغة وتأثر صادق. إن مشهد الشاعر الخريج طلال عبد الرحمن، وهو ينزف روحاً لا شعراً أمام رئيس جامعة بحجم وقامة الدكتور محمد صادق.. ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو وثيقة حية على طهر العواطف، ونبل المقاصد، ورفعة القيم الأكاديمية والإنسانية التي كانت تظلل عراق السبعينات.

كنت شاهد عيان على تلك اللحظة الاستثنائية في تاريخ جامعة الموصل. في منتصف سبعينات القرن المنصرم، لم تكن الموصل مجرد مدينة غافية على ضفاف دجلة الخالد، بل كانت قصيدة دافئة يتبادل جانباها الأيسر والأيمن رسائل الحب والجمال. هناك، بين صخب “المجموعة الثقافية” بحيويتها الأكاديمية في الجانب الأيسر، وعراقة “الدواسة” و”باب الطوب” في الجانب الأيمن، نبتت حكايات حب عذرية، طاهرة طهر مياه النهر، ونقية نقاء نسايم الموصل العليلة.

كنتُ هناك، حاضراً ومدعواً في حفل تخرج كلية الآداب بجامعة الموصل، ولم أكن أعلم أنني سأشهد زلزالاً عاطفياً سيبقى محفوراً في وجداني ما حييت. على منصة التخرج، وبحضور مهيب للدكتور محمد صادق رئيس الجامعة آنذاك الرجل الذي عُرف بمهابته وجديته وصلابته الأكاديمية. وقف طالب متخرج من قسم اللغات الأوروبية يُدعى “طلال عبد الرحمن”.لم يكن طلال يلقي قصيدة وداع عادية للكلية، بل كان يلقي مرثية لقلبه.

كان يودع زميلته الأثيرة، وحبيبته التي قاسمته أربع سنوات من المقاعد، والكتب، واللقاءات العذبة، والمشي تحت شموس الموصل وأمطارها. كان يدرك، بمرارة تخنق الأنفاس، أن هذا الحفل هو نقطة النهاية؛ فالحبيبة ستغادر بلا عودة إلى إحدى مدن العراق البعيدة، وأبواب الأمل في وصال شرعي قد أُصدت تماماً. وقفتُ أراقب طلال، ولم يكن ينطق الأبيات بل كانت روحه تُنتزع من جسده مع كل حرف.

التفتُّ يميناً وشمالاً، فإذا بزملاءه في قسم اللغات الأوروبية والكلية يصفقون ويهتفون، لكن عيونهم كانت تفيض بالدموع وبينهم تلك الشقراء تنشج بالنحيب تضامناً مع هذا النواح الشجي.وحين صدح بصوته المتهدج:مدي يديكِ ولملمي أشلائي.. وضعي على جرحي القديم ردائيآدابُ يا آدابُ آهٍ لو دنا.. فصلُ الفراقِ ستسكبين دمائيفإذا احتملتُ شموس صيفٍ أربعٍ..

وشربتُ ماء القيض والرمضاءِواليوم يا ويح الفؤاد وويحه.. سيطول هذا الصيف دون لقاءفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن متوقعاً. د.

محمد صادق ، ذلك الجبل الأكاديمي الحازم، لم يتمالك كبرياءه أمام طوفان الصدق العاطفي. رأيتُ التأثر يكسر جمود ملامحه، ورأيت الدموع في عينيه. وبمشهد أبوي وإنساني مهيب، وقف رئيس الجامعة عند نزول طلال من المنصة وانحنى ليقبّل هذا الطالب النائح، مقدساً فيه صدق العاطفة ولوعة الفراق.كانت تلك القبلة صك اعتراف من جيل الكبار بنقاء مشاعر الجيل الجديد، ودليلاً على أن الجامعة في ذلك الزمان لم تكن مجرد جدران ومناهج، بل كانت محضناً للإنسانية والروح.

يكمل طلال قصيدته والوجوم يلف المكان:وبك اللغات خجولة وجهولة.. سحر اللغات ومنطق البلغاءحيناً يعللني القصيد وتارة.. ألجأ إلى العشاق من زملائيتستعجلين على الدموع تريثي..

فستشبعين من الدموع ورائيما ضر لو ختم الفراق بهمسةٍ.. أو بسمةٍ أو قبلةٍ عذراءِلا تجزعي مني ولا تفزعي فالقضم من شفة الحبيب ،،،ثم صمت برهة ليقول يجوز للشعراء.!!!ربما كان الحصول على قبلة من شفاه حبيبته غاية المنى في زمن كان فيه الحياء واقع والحشمة رداء للجميع.أين نحن اليوم من ذلك “الزمن الجميل”؟ أين نحن من قصة حب تدوم أربع سنوات دون أن تخدش حياء المجتمع أو تخرج عن طهر العفة العذرية؟أين نحن من رئيس جامعة يرى في لوعة طالبه إنسانية تستحق الإجلال والتقبيل لا الزجر والملامة؟ إنها لم تكن مجرد قصة طالب وحبيبة وداع الراحلين؛ بل كانت مرآة لعراق كان يفيض خيراً، ومحبة، وصداقة صادقة بين الطلبة.رحل ذلك الصيف، وابتعدت الحبيبة، وتفرق الزملاء في منافي الأرض ومدنها، لكن تلك الأبيات، وتلك القبلة من د. المشاط، تظل شاهداً حياً على أننا عشنا يوماً في زمنٍ كان فيه الحب كبيراً، والقلوب خضراء، والوفاء ديناً يدين به العشاق والبلغاء.أتمنى أن يكون هذا المقال قد عبر بدقة عن استذكار تلك المشاعر الإنسانية النبيلة التي عشتها بنفسي في ذلك الزمان الذي كان فيه العراق بكل تفاصيله عذبا و جميلا بينما يملئني الاسى اليوم وارى وطني كسيرا وعليلا.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع