المسلماني يقرأ تحولات العالم عبر كتاب (ماسبيرو ) «السياسة والثقافة في عالم متغير» للدكتور نصر عارف
أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلامفي مقدمة فكرية ثرية، تعكس سعة اطلاع ورؤية إعلامية وثقافية واعية، يقدم الكاتب والإعلامي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بجمهورية مصر العربية، قراء...

Il ressort que «العالم الصغير» حين كان العالم محصورًا في القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكان من يتحكم في البحر المتوسط هو من يفرض السلام العالمي.وعبْر البحر المتوسط فرضت الإمبراطورية الرومانية «السلام الروماني»، ثم فرضت الإمبراطورية العربية الإسلامية نفوذها حتى القرن الخامس عشر، ثم فرضت الإمبراطوريات الأسبانية والبرتغالية والهولندية والعثمانية النفوذ.. ليصبح العالم متعدد الأقطاب.. ثم تراجعت هولندا والبرتغال وأسبانيا لتبرز بريطانيا وفرنسا.وفي العصر الحديث يحدثّنا الكاتب عن الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطوريات الروسية والعثمانية والألمانية والنمساوية المجرية، وظهور عالم متعدد تقوده الدول الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا)..
وهو النظام الذي انتهى عام 1956 ليحلّ محله نظام ثنائي القطبية تقوده الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.ومع حرب أفغانستان عام 1979 بدأ تدهور الاتحاد السوفيتي الذي انهار عام 1991 تاركًا قيادة النظام العالمي للقطب الأمريكي الواحد. ثم يصل كاتبنا للقول بأن حرب 2022 بين روسيا و أوكرانيا تمثل نهاية القطب الواحد وعودة التعددية من جديد، وهى تعددية تشمل الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا.يؤيد كاتبنا ما ذهب إليه وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف، الذي دعا في فبراير 2017 إلى تأسيس نظام «ما بعد الغرب». ويرى أن التحولات الجارية في عدة دول أفريقية وخروجها عن الخط الغربي، هى مقدمة لعصر ستكون فيه «أفريقيا ما بعد الغرب» جزءًا من «عالم ما بعد الغرب».وهنا يشير الدكتور نصر عارف في موقع آخر إلى عالم «ما بعد الحقيقة» لينقل عن قاموس أكسفورد تعريف ذلك المفهوم بأنه «حالة تكون فيها الحقائق الموضوعية قليلة الأهمية، وأضعف تأثيرًا في الرأي العام إذا ما قورنت بالآراء الفردية والعواطف والمعتقدات الشخصية».وهكذا تتوالى التحولات..
من العالم الصغير إلى العالم الكبير، ومن عالم الحقيقة إلى ما بعد الحقيقة، ومن عالم يقوده الغرب إلى عالم ما بعد الغرب.أتذكر أنني حين التقيتُ الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله، حدثّني مطولًا عن رؤيته في أن مركز القوة في العالم ينتقل من الغرب إلى الشرق، وفي هذا الكتاب يحدثّنا الدكتور نصر عارف عن الأثر الجيوسياسي لتكتل بريكس، وانتقال العالم من الغرب إلى الشرق والجنوب.يصِل مفكرنا تلك التحولات بذلك التحدّي الديموغرافي الكبير.. فيقول: «إن العرق الأبيض مهدّد بالانقراض، فقد تناقص من (28%) من سكان العالم عام 1916 إلى (18%) من سكان العالم 2026. وزحف غير البيض إلى أوروبا والولايات المتحدة».* * *على الصعيد السياسي يرى الدكتور نصر عارف أن هناك أكثر من غرب، ذلك الغرب الناعم الذي يملأ واجهات الإعلام، وذلك الغرب العنيف الذي يعمل خلف الشاشات والتصريحات.يقول كاتبنا: الغرب غربان، غرب «متخذي القرار السياسي» الذين نراهم من رؤساء دول، ورؤساء وزراء، وغرب «صانعي القرار السياسي»، الذين لا نراهم في الدولة العميقة، ومراكز الأبحاث، وبيوت الخبرة.
الغرب الذي نراه من السياسيين ممثلون بارعون يقولون ما لا يفعلون، يغيّرون خطابهم السياسي طبقًا للسياقات والمواقف والأزمان، كلامهم عادة حمّال أوجه، يفسَّر بعشرات المعاني، بارعون في الخداع والتمويه. ولعل مواقفهم ودموع التماسيح التي ذرفوها على مأساة فلسطين دليل على قدرتهم الرائعة على التخدير والخداع وشراء الوقت.* * *لقد سبق لي أن تحدثتُ كثيرًا عن معاداة الغرب للحداثة في العالم الإسلامي وعن دعمه الثقافي للتطرف، وإعجابه بالراديكالية الدينية ودعمه لها. وكيف أنه في مرات عديدة وقف مع المتطرفين ضد الحداثيين، ومع المتشددين ضد المسلمين المعتدلين.
ولقد فوجئت بتوثيق الدكتور نصر عارف لهذا الرأي من مصادر ووقائع مهمة، لم أكن على اطلاع بشأنها. يقول كاتبنا:في عام 2010 قدم الفريق B2 الذي تم تشكيله لتفكيك الخطر الإسلامي؛ الذي ورث الخطر الشيوعي كما يتصور صانعو السياسة في الغرب تقريره بعنوان: الشريعة تهديد على أمريكا «Shariah: TheThreatToAmerica»، خلاصة التقرير الذي يقع في 370 صفحة أن الخطر الحقيقي على أمريكا ليس من المسلمين الإرهابيين أو المتطرفين أو المسيسين، وإنما الخطر الحقيقي على أمريكا هم المسلمون المعتدلون المتسامحون الحضاريون الحداثيون الذين يريدون أن يعيدوا إحياء الحضارة الإسلامية؛ من خلال التركيز على العلوم، والتكنولوجيا، والفكر الإسلامي. لأن إحياء الحضارة الإسلامية، أو إعادة تجديدها، واستئناف منجزاتها الحضارية سوف يهدد تفرُّد الحضارة الغربية بالعالم، ويجعل هناك منافسًا قويًا لها، وهذا بدوره يهدد قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم، لأن قيادة أمريكا للعالم قائمة في أساسها على قيادة الحضارة الغربية للعالم.وهنا يثور السؤال المنطقي: لماذا لا ينطبق هذا التهديد للحضارة الغربية إلا على الحضارة الإسلامية، لماذا لا تكون روسيا أو الصين أو الهند مهددًا للحضارة الغربية؟ والجواب بكل بساطة أن روسيا جزء أصيل من الحضارة الغربية، وأن الصين والهند لم تكن أي منهما في يوم من الأيام حاملة للواء حضارة عالمية تسعى لأن تستوعب العالم، وتخاطب الإنسانية، وتقدم منظومة قيم كونية عالمية تشمل كل البشرية، الحضارتان الصينية والهندية حضارات مغلقة على شعوبها وأقوامها، ولم تكن يومًا ذات نزعة إنسانية أو عالمية، والطريف أن الديانة الهندوسية حتى نهاية القرن الثامن عشر كانت تحرم على الهندوس ركوب البحر، لذلك كان المسلمون الهنود هم تجار الهند وأغنياؤها.* * *يتحدث الدكتور نصر عارف في كتابنا هذا عن نموذج باتَ سائدًا وخطيرًا في بلادنا.
سمّاه «الأحرار الخونة»، وهو مصطلح جريء صكّهُ مفكرنا الكبير.. الذي يقول:الأحرار الخونة أصبح وصفًا يرقى لأن يكون علميًا إذا ما تتبعنا سلوك هذا الفصيل من النخب السياسية والثقافية في العالم العربي، أولئك الذين يعارضون بكل قوة حكومات أوطانهم، ولهم كل الحق، وكل التقدير والاحترام، ولأنهم يرفعون راية الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ويقاومون الظلم والاستبداد والعسف السلطوي، ولكنهم في الوقت نفسه يستجدون القوى الخارجية، والدول الأجنبية، لأن تساعدهم، وتمد يد العون لهم، وتحتل أوطانهم لتخلصهم من ظلم السلطة، ومن عسف الاستبداد، وتقدم لهم الحرية على مائدة جون بريمر الحاكم الأمريكي للعراق بعد التحرير!.الأحرار الخونة أصبحوا جزءًا أصيلًا من المشهد الثقافي والسياسي العربي، ولم تعد هناك حساسية منهم، بل يتعامل معهم الجميع على أنهم ناشطون سياسيون، أو قيادات للمعارضة السياسية، أو ثوار، أو نخب حاكمة، في كل الحالات هم ملء السمع والبصر.في صفحات الكتاب نجد أنصارًا لنموذج «الأحرار الخونة».. أولئك الجهلاء الذين يعبثون على وسائل التواصل، فيبطشون بالمعرفة وعارفيها، ويسوّقون الجهل الكبير بجهل شديد.يقول الدكتور نصر عارف: لقد دخل فاعلون جُدد في ميدان الاهتمام السياسي بفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ووصولها إلى أقاصي الأرياف والبوادي، هؤلاء الفاعلون الجدد فقط يملكون جهاز تليفون ويستطيعون القراءة والكتابة، ولا يملكون أي تكوين ثقافي أو علمي إلا القدرة على الكتابة وغالبًا بأخطاء لغوية وإملائية، ورغم ذلك صاروا يناطحون أكابر المتخصصين والسياسيين.هذه الفئة من البشر لا تميز بين الانتماء العائلي والقبلي، وبين الانتماء الوطني، وتتعامل مع الأوطان بوصفها قبائل وعائلات، فما إن تسمع دون تحرٍ أو تدقيق أن أحدًا تعدى على دولتهم أو بالأحرى قبيلتهم أو عائلتهم إلا وتعلن حربًا جاهلية، شعارها ما قاله الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم بعد أن قتل صديقه عمرو بن هند، لأن أم الأخير طلبت من أم الأول أن تناولها وعاءً وهي ضيفتها، فشعرت الأم بالإهانة فصرخت تستنجد بابنها فجرد سيفه دون أن يعرف القضية موضوع الخلاف، وقتل صديقه، وأنشد قصيدة عصماء صارت من المعلقات.
هذا الشعار الذي ما زال ساريًا منذ ذلك الحين يقول: «ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا». بحيث صار التنافس في الجهالة بين هذه الجماهير الجاهلة بالتاريخ والجغرافيا والثقافة والهوية.* * *يتوقَّف كاتبنا عند ملف الإسلام السياسي أكثر من مرة، فيحدثنا في إحداها عن ظاهرة الجماعات الدينية الرأسية التي لا توجد إلاّ في العالم الإسلامي، ففي باقي الأديان توجد جماعات دينية لكنها ليست رأسية موازية للدولة.وفي وقفة أخرى يحدثنا عن تهافت المستشرقين.. فيشير إلى المستشرقين الذين قالوا إن المجتمعات الإسلامية عشوائية غير منظمة، ولا تعرف مفهوم المؤسسة فكل نشاطاتها تدور حول عبقري أو زعيم.
ويرى الدكتور نصر عارف أن هؤلاء المستشرقين لم يدرسوا المؤسسات بل درسوا الأفراد، فركزوا مثلًا على ابن خلدون الذي رحل عام 1406 ميلادية، باعتباره ظاهرة متفردّة، دون أن يدركوا أن الأفكار التي قال بها إنما تعود إلى أبو المعالي الجويني الذي رحل عام 1085 ميلادية، وابن رضوان المالقي الذي رحل عام 1380 ميلادية، وكلاهما سبق ابن خلدون.* * *في صفحات هذا الكتاب الذي يجمع بين الفائدة والمتعة.. تحدث مفكرنا الكبير الدكتور نصر عارف عن حالة عالمنا في الوقت بدل الضائع.. وسمّى ذلك «العالم في وقت مستقطع» آخذًا التعبير من مباريات كرة القدم، ومشبهًا اللحظة التي يمر بها النظام العالمي بذلك الوقت المستقطع، فهي لحظة بلا قانون دولى، أو معايير حاكمة لسلوك الدول.
بل هناك عقاب للقانون الدولى ومؤسسات القانون الدولي نفسها.. إنّها لحظة سيولة قانونية وسياسية معًا.وهكذا.. فإنّ كاتبنا ينبِّهنا إلى حالة التدهور العقلي الذي يعيشه عالمنا، حيث يجري العقاب للقانون..
لا العقاب بالقانون!* * *لقد استمتعتُ واستفدتُ كثيرًا بقراءة الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ، وكان الوقتُ الذي قضيتُه في القراءة ثم إعادة القراءة.. هو في قلب الوقت لا في الوقت المستقطع.إنني على ثقة من أن القارئ الكريم سيرى ما رأيت، وسيثمِّن هذه الرؤى كما ثمّنت.يبقى الشكر للمفكر الكبير الدكتور نصر محمد عارف الذي شرّفنا بأن نكون الناشر لهذا الكتاب، ضمن سلسلة «كتاب ماسبيرو» ليصبح الكتاب الحادي والتسعين في هذه السلسلة المضيئة التي شهدت كتابًا كبارًا.. من فاروق شوشة إلى حسين فوزي، ومن توفيق الحكيم إلى جمال الغيطاني.يطيب لي أيضًا أنْ أتوجه بالشكر لأسرة مجلة الإذاعة والتليفزيون وفريق عمل كتاب ماسبيرو، كما أتوجّه بالشكر الجزيل للصحفية الأستاذة مروى مشالي..
التي ساعدت كثيرًا في إعداد هذا العمل للنشر.إذن.. فقد حان البدء في الوقت غير المستقطع.. قراءة ممتعة.