المجتمع·

الأكاديمي العراقي كريم فرمان يكتب : لماذا يبدع علماؤنا في الغرب وينطفئون في أوطانهم؟ تشريح ثقافة المقصلة!

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقاتنويـــــــه المحرر: يضع هذا المقال اليد على جرحٍ حضاري غائر، ويناقش واحدة من أعقد الإشكاليات الثق...

E
Essadaالنص الأصلي
اقرأ على Essada
صورة Essada

Il ressort que ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقاتنويـــــــه المحرر: يضع هذا المقال اليد على جرحٍ حضاري غائر، ويناقش واحدة من أعقد الإشكاليات الثقافية والتربوية في مجتمعاتنا العربية؛ وهي “ثقافة التعامل مع الفشل والخطأ”. من خلال تحليل واقعي وقراءة في سير قامات علمية فذة، يطرح الكاتب مواجهة شجاعة مع الذات، مفرقاً بين منظومات مؤسسية تبني الإنسان وأخرى تهدمه، ليقدم في النهاية خارطة طريق عملية للإصلاح تبدأ من مقاعد الدراسة وتصل إلى بيئات العمل. كتب: ا.د كريم فرمان لأول مرة انتبه إلى فكرة كيفية اصلاح الخطأ وعدم استهداف المخطيء عندما كنت في جامعة جواهر لال نهرو في دلهي عام ٢٠٠١م والتي تعد أهم جامعة بحثية للدراسات العليا في اسيا بحسب تصنيف تايمز العالمي وبالذات كلية السياسة الدولية التي يحاضر فيها البرفسور كريشما باسلوبه المشوق والودود فهو ياتي للجامعة يوما واحدا ومحاضرته تاخذ منه ساعتين تفصلها استراحة عشرة دقائق ،لا يلقي محاضرة بل يقوم بطرح اسئلة عن مرتكزات الفكرة فيقول الفلسفة هي طرح اسئلة ولا توجد إجابة خاطئة مئة بالمئة انما هناك سؤال خاطيء ربما بنسبة عشرة او حتى أربعين بالمئة وبالتالي يستمع الى اجابات طلبته ولا يقول لاحد ابدا اجابتك خاطئة انما نعم إجابة جيدة لو أضفت لها كذا وكذا او ان جوابك صحيح يعوزه علي انا ان اقوم بتعديل صيغة السؤال.

رحم الله بروفسور كريشما الهندوسي المحب لثقافة الشرق الاوسط وضليع بشؤون منطقتنا العربية وهو من كتب أهم كتاب عن الزعيم عبد الكريم قاسم الذي التقاه في مبنى وزارة الدفاع عام ١٩٦٢ وكان عنوانه( قاسم،جنرال تورط في السياسة ) واستغربت ان المكتبة العراقية او العربية تخلو منه، عموما ووفاءا لهذا البروفيسور الجهبذ لا بد من استذكار بعض الذكريات معه مثلا يقول ان بلدنا الهند يعد أكبر ديمقراطية في العالم لكنها مليئة بالشروخ والطعون فكيف تحتكر شريحة من رجال الدين والتجار والعائلات السلطة لعقود بينما هناك في الهند من يتغذى على أوراق الشجر!! اية ديمقراطية لا تحقق المساواة ديمقراطية فاشلة مثلما هو حال الهند التي يصفها ب ديمقراطية ادارة الصراعات الاجتماعية بلا اطلاق رصاص. وهنا أتذكر مرة انه قام بدعوتنا نحن الأجانب الى حفلة عرس زواج شقيقه في مدينة علي جار ولما لاحظت عدم تلبية الدعوة من اغلب الاساتذة الكبار ، سالته لماذا لم يحضر احد منهم؟.

ضحك ثم قال الم اقل لكم اننا مجتمع وبلد يخدع الزائر!! لم يحضروا لانهم يستنكفوا تلبية دعوة من شخص ينتمي الى فئة من المجتمع تسمى المنبوذين او العمال حتى لو كان يحمل درحة بروفسور، لان المجتمع الهندي منقسم طبقيا و فلسفيا الى اربعة أقسام:الراس: وتمثلهم طبقة رجال الدين التي تحتكر الفكرالاذرع: وهم ضباط الجيش والشرطة البطن: هم التجار واصحاب الصناعة الاقدام: وهم العمال والكسبة والفقراء والمنبوذين!!!نحن تعلّمنا في حواضننا الثقافية والتربويّة كيف نفكّر، وجاء التطبيق العملي ليكشف لنا عورات الأداء وفجوات الممارسة. وفي كل مرة نرتطم فيها بجدار الفشل، تصيح بنا الأخطاء مرشدةً ومنبهةً لكي نراجع خياراتنا.

لكنّ الأزمة الحقيقية التي تفصل بين مجتمعات تبني الحضارة وأخرى تستهلكها، لا تكمن في وقوع الخطأ، بل في ثقافة التعامل مع الخطأ نفسه: هل نستهدف “الخطأ” لنصلحه، أم نستهدف “المخطئ” لنعدمه معنويًا؟الخبرة الحقيقية لا تُقاس مطلقاً بعدد المرات التي تعثرت فيها أقدامنا، بل بحجم الوعي المستخلص من تلك العثرات، والقرارات الأنضج التي تليها. فكل تجربة نتأملها بصدق وشفافية، هي مشروع ولادة لقرار أكثر سداداً وأثرٍ أبقى نفعاً.العالم أحمد زويل: “الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”.عقيدة زويل: الفارق بين بيئة تحتضن العثرة وأخرى تترصد بالناجحتتحول هذه المعضلة الثقافية إلى فلسفة واضحة في الكلمات الخالدة للعالم المصري الحائز على جائزة نوبل ومكتشف “الفيمتو ثانية”، الدكتور أحمد زويل، عندما سُئل ذات مرة عن السر الذي يجعل العربي يلمع نجمه، ويتحول إلى عالم ومخترع فذ بمجرد هجرته إلى الغرب، بينما ينطفئ بريقه وتتبدد طاقته داخل وطنه، أجاب زويل بعبارة تختزل فلسفة حضارية كاملة:“الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”.هذا التوصيف الدقيق يضع اليد على الجرح؛ فالغرب لا يبحث عن “شماعة” يعلق عليها الذنب، بل يمتلك منظومة مؤسسية تتعامل مع الفشل والخطأ كـ “بيانات علمية” وتغذية راجعة (Feedback) تُدرس وتُحلل لتطوير الأداء. أما في كثير من مجتمعاتنا، فقد تحول الخطأ من تعثر طبيعي في طريق التجربة إلى “وصمة عار” تلاحق صاحبها، حيث يُترك أصل المشكلة وتُشن حملات لتصفية واغتيال شخص “المخطئ”.

طيورنا المهاجرة: عندما تبحث العبقرية العربية عن مظلة “تصحيح الخطأ”لو كانت العبقرية جينات محتكرة لثقافة دون أخرى، لما رأينا القامات العلمية العربية تقود كبرى المنصات البحثية والجامعات في أمريكا، بريطانيا، وعموم أوروبا. هؤلاء لم تتغير جيناتهم عندما ركبوا الطائرات، بل تغيرت “البيئة الثقافية والمؤسسية” من حولهم، حيث وجدوا مناخاً يقدس الأبحاث التي تفشل مئة مرة لتنجح في المرة بعد المئة.ومن أبرز هذه القامات التي لمعت في سماء الغرب:* المعمارية العالمية د. زها حديد (العراق/بريطانيا): أيقونة العمارة التفكيكية وأول امرأة تنال جائزة “بريتزكر” (نوبل الهندسة).

واجهت في بداياتها انتقادات حادة لتصاميمها التي وُصفت بأنها “مستحيلة التنفيذ” و”تنطوي على أخطاء هندسية”، لكن البيئة الغربية سمحت بتجريب جنونها الإبداعي حتى طوّعت الحديد والخرسانة لترسم ملامح المستقبل.* البروفيسور مجدي يعقوب (مصر/بريطانيا): ملك القلوب الذي احتضنته المستشفيات البريطانية، فصنع ثورة في جراحة نقل وزراعة القلوب، ممهداً الطريق لمنظومات طبية عالمية تتعلم من كل عملية دقيقة لتطوير الجراحة التالية.* العالم الاستثنائي شريف الصفتي (مصر/اليابان): الذي نجح عبر تقنيات النانو في تطهير مياه فوكوشيما من الإشعاع، في بيئة يابانية تقدس العمل الجماعي وتعيد تدوير الفشل إلى ابتكار.* عالم الفضاء فاروق الباز (مصر/أمريكا): الذي قاد التخطيط الجيولوجي لرحلات “أبوللو” الفضائية في وكالة ناسا، وهي مؤسسة بُنيت حرفياً على مبدأ “الفشل المقبول في سبيل التعلم” وتجاوز الأخطاء التقنية. قطاع التعليم: الحاضنة الأولى لثقافة الخوف أو الاستكشافتبدأ هذه المعضلة من مقاعد الدراسة؛ فالأنظمة التعليمية في العالم العربي غالباً ما تعتمد على “التلقين” وتجعل من ورقة الامتحان أداة لإصدار الأحكام العقابية.الخطأ في امتحاناتنا يُترجم فوراً بنقص الدرجات، والإحراج، وتصنيف الطالب كـ “فاشل”، مما يولد جيلاً يخشى المبادرة ويفضل السير بمحاذاة الحائط تجنباً للعقوبة.في المقابل، نجد نماذج تعليمية متطورة مثل النموذج الفنلندي الذي يعامل الخطأ كوسيلة إيضاح، ويشجع الطلاب على طرح الأسئلة الخاطئة للوصول إلى الإجابات الصحيحة. إن إصلاح التعليم يتطلب تحويل المعلم من “قاضٍ” يترصد الهفوات، إلى “موجه” يفكك الخطأ مع الطالب لفهم جذوره، وتدريب النشء على أن العثرة ليست نهاية المطاف بل خطوة في مسار الفهم والتحليل.

بيئات العمل العربية: خارطة طريق لتغيير الثقافة المؤسسيةلكي ننتقل من ثقافة اصطياد المخطئ إلى ثقافة تصحيح المسار داخل المؤسسات والشركات العربية، لا بد من تبني خطوات عملية ملموسة:1. تأسيس سياسة “الخطأ الآمن” (Psychological Safety): يجب أن يطمئن الموظف إلى أن الاعتراف بالخطأ المهني غير المقصود لن يؤدي إلى فصله أو تشويه سمعته، مما يمنع سياسة “التغطية على الكوارث” التي تدمر المؤسسات.2. اعتماد جلسات “التشريح البنّاء” (Post-Mortem Meetings): عند حدوث إخفاق في مشروع ما، يُمنع تماماً توجيه اللوم للأفراد.

وتُطرح الأسئلة بصيغة: “ما الخلل في نظام العمل الذي سمح بحدوث هذا؟” وليس “من الذي تسبب في هذا؟”.3. مكافأة المحاولة المبتكرة وإن فشلت: تكريم الموظفين الذين يطرحون أفكاراً خارج الصندوق حتى لو لم تحقق النجاح المطلوب في المرة الأولى، لإرساء رسالة مفادها أن الجمود هو الفشل الحقيقي، وليس التجربة المخطئة. خاتمة وعبرة للتاريخإن التاريخ لا يرحم الأمم التي تصطاد المبدعين عند أول عثرة، ولا يخلّد سوى الحضارات التي جعلت من الخطأ مدرسة، ومن الفشل مختبراً.والعبرة التاريخية المقيمة تقول: إن الفرق بين الأمم المتقدمة والأمم المتخلفة ليس في وجود الأخطاء، فالجميع يخطئ؛ بل إن الأمم العظيمة هي التي توجّه مدافعها نحو “الخلل والهيكل والآلية” لتصلحها، بينما الأمم المتراجعة توجّه مدافعها نحو “الإنسان” لتدمره.إذا أردنا لعلمائنا ومخترعينا وشبابنا أن يلمعوا داخل أوطانهم، فعلينا أولاً أن نغيّر بيئتنا النفسية والاجتماعية.

علينا أن نتحول من ثقافة “الترصد والجلد” إلى ثقافة “الدعم والتقويم”. فالخطأ ليس نهاية العالم، بل هو أول سطر في كتاب النجاح، شريطة أن نتأمله بصدق، ونتعلم منه بشجاعة، ونتغير بعده بنضج.

مشاركةWhatsAppFacebookX
في نفس الموضوع