الكفاءة والمواطنة واللغة.. مشاهد غابت في تلافيف منتدى الجاليات
الأخبار (نواكشوط) - سيطرت مطالب خدمية شبه موحدة على غالبية مداخلات المشاركين في النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية بالخارج، إلا أنّ مشاهد ومواقف أخرى لاقت وقعا خاصا في نفوس المغتربين...

Il ressort que الأخبار (نواكشوط) - سيطرت مطالب خدمية شبه موحدة على غالبية مداخلات المشاركين في النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية بالخارج، إلا أنّ مشاهد ومواقف أخرى لاقت وقعا خاصا في نفوس المغتربين والحاضرين، كالتعبير عن حب الوطن، والاعتزاز باللغة والهوية، واستعراض الكفاءات الموريتانية التي توزعت على مختلف أصقاع العالم لنفسها.غير أن هذه المشاهد والمداخلات غيبها عليها "ضيق الوقت" المخصص للمتدخلين، إذ لم يُتح لبعض المحاضرين الرسميين إكمال عروضهم، أحرى المعقبين والمشاركين الذين خُصص لبعضهم نحو دقيقتين فقط، ما دفع بعضهم للاحتجاج، وتسليم مطالبه وآرائه مكتوبة إلى إدارة الجلسات.وتعززت شكاوى المشاركين من ضيق الوقت بملاحظات على جوانب من التنظيم، شملت ترتيبات الجلوس والدخول وضبط مواعيد الجلسات، فضلا عن استحضار بعضهم ما تكبدوه من تكاليف تذاكر السفر والإقامة والمعيشة، وما بذلوه للمشاركة في المنتدى، الذي وصفه بعضهم بأنه "منتدى حكومي" نظرا لمحدودية الوقت الممنوح لهم لعرض قضاياهم وتطلعاتهم.دهشة الكفاءةعلى رأس المشاهد التي استوقفت الحاضرين، حضرت الكفاءة الموريتانية بوقع المفاجأة؛ فما إن يقف أحد المتحدثين ويذكر بلد إقامته، ويعدد مهاراته واللغات التي يتحدث بها، والمناصب التي شغلها، والدول التي زارها، والأعمال التي أنجزها، ومساره المهني الذي قد يمتد لعقود، حتى تتهلل وجوه الحاضرين ذهولا وإعجابا وفخرا.على المنصة، يقف المتحدث بسيطا قبل أن يبدأ استعراض مسيرته، ثم يغادرها وقد تغيرت نظرة كثيرين إلى قيمته الحقيقة في ميزان الكفاءة، والخبرة والقيادة، وما يمتلكه من خبرات ومؤهلات، خلال دقائق قليلة، تعقبها المصافحات وتبادل الإشادة، فيما "يستفز" ذلك المغتربين للتساؤل عن أسباب عدم الاستفادة من هذه الكفاءات.وعبرت بعض المداخلات عن استغرابها وفخرها معا بالحجم الكبير للكفاءات الموريتانية المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، وما تحظى به من تقدير وتميز في مجالاتها، حتى إن مؤسسات ودولا أجنبية استقطبت بعضها واحتضنت خبراتها، فيما لم يكن بعضها على معرفة بالآخر قبل المنتدى.حب الوطن.. والواقع..من أكثر المداخلات تعبيرا عن التعلق بالوطن والمواطنة، ما رصده فريق وكالة الأخبار المستقلة خلال تنقله بين قاعات "شنقيط"، و"تيشيت" و"كُمبي صالح"، و"جول" محاولة لتنوع محاور تغطيته للمنتدى، وكشف تشخيص المشاركين لواقع الجاليات، ورفعه للرأي العام.في بعض المداخلات بدا حب الوطن شعورا متجذرا في حديث أصحابه، يتلمسه المستمع في نبرة الصوت وتفاصيل الحديث، وسيماء الشفاه، بين مواطن عشق أرضه، وآخر وجد لدى الأجانب احتراما وتقديرا واحتضانا لم يجده في بلده، رغم حنينه لبلده.تحدث بعضهم عن أصدقاء أجانب يوصونهم دائما بالعودة لوطنهم الأم، والاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها في بلدان الإقامة، ليكونوا سندا في دفع عجلة تطور بلادهم، مستحضرين ما تشبعوا به في تلك البلدان من ثقافة الشفافية والتنظيم والمصداقية والخبرة.تبكي سيدة قدمت من كندا للمشاركة في المنتدى، وهي تتحدث عن تعلقها بموريتانيا، مردفة أنها لا تزال مرتبطة بتراب بلدها رغم "عيوبه"، وأن حاجة المغترب لوالديه وإخوته ومقربيه وأديم وطنه ولهجته وطبيعته لا تعوضها المسافات، غير أن العودة تصطدم، في نظرها، بواقع مرير.تقول السيدة إنها وجدت عملا في كندا في أقل من 24 ساعة من وصولها، في بيئة مريحة ومقابل مادي محترم، متسائلة: لو عادت إلى موريتانيا بشهادتها، وتجاهلت ما تعانيه من مشكلات في الخدمات والبنى التحتية وغيرها، فمن يضمن لها الحصول على عمل دون وساطة؟ ومن يستقبل كفاءتها ويرحب بمقترحاتها؟.وفي حديثها، استحضرت أن الأصل لا يضاهيه شيء، وأن الابن في بلده يستطيع سماع الأذان والإقامة، وقراءة القرآن على يد مدرسه أو أحد أفراد عائلته أو حتى جيرانه، والنشأة في بيئة تساعد على التربية الدينية والاجتماعية دون تكلف، وهي تفاصيل قالت إنها تزيد تعلق المغترب بوطنه، وإن ابتعد عنه.تمنٍّ بابتلاع الأرض..وفي مداخلة أخرى، تحدث ممثل للجالية الموريتانية في كوريا الجنوبية عن تجربة رافق خلالها بعثة كورية زارت أكثر من 50 دولة، قائلا إنه لم يجد بلدا في "السوء" الذي وصف به واقع موريتانيا، وإنه لو عُرض عليه مرافقة البعثة في زيارة إلى بلده لتمنى أن تبتلعه الأرض، خشية ما قد تكشفه الزيارة من واقع البلد.ضرب المتحدث لذلك مثلا؛ وهو "فوضوية التنظيم في المنتدى" مشددا أن بعض البلدان تنظم منتديات ومؤتمرات تستقبل فيها أفواجا من المشاركين عبر بوابات ضيقة، لكن بانسيابية وانتظام، دون الفوضوية التي عرفها المنتدى."الاستلاب" اللغويمن المشاهد التي أثارت نقاشا داخل القاعات، طغيان لغات بلدان الإقامة ولهجاتها على بعض المداخلات، على حساب العربية، فيما حضرت الفرنسية بكثافة مقارنة بالإنجليزية، وهو ما أثار حفيظة بعض المشاركين ودفعهم إلى الدعوة إلى الاعتزاز باللغة الأم.وافتتح ممثل للجالية الموريتانية في السعودية كلمته باللغة الإنجليزية، قبل أن يوضح لاحقا، بطرافة، أنه بدأ بلغة أجنبية حتى يثبت أنه كفاءة، وإلا فقد يشك البعض في أهليته، مردفا أنه يعتز بلغته العربية العتيقة.لقي موقفه تصفيقا وتأييدا من الحاضرين، قبل أن يعزز آخرون الملاحظة ويقلدوا فعله، ويناصروا موقفه، فيما استعرض بعض المتحدثين اللغات التي يتقنونها، مؤكدين أنهم يتحدثون بها في بلدان إقامتهم، لكنهم سيتناسونها خلال إقامتهم بموريتانيا.فيما لم يمنع ذلك آخرين من الحديث باللغة التي اختاروها، فيما اعتذر بعضهم عن عدم استعداده للتدخل بالعربية قبل أن يسترسل في الحديث بلغته الأجنبية، ويزور العربية من حين لحين.تطلعات متشعبةمع المطالب الخدمية كتسهيل الحصول على الوثائق المدنية والإجراءات القنصلية، وتوفير المحاظر والمدارس ومراكز تعليم القرآن، وتعزيز خدمات الحالة المدنية والتأمين والرعاية الاجتماعية، حضرت مقترحات تتصل بمستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، وكيفية تحويل وجودهم وخبراتهم لرافعة للتنمية.وظهرت الرقمنة ضمن هذه المقترحات، من خلال الدعوة لتطوير الخدمات الحكومية الموجهة للمغتربين رغم إشادتهم بـ"هويتي"، فضلا عن طرح تصورات تتعلق بـ"حكومة رقمية ذكية"، وتعزيز الثقافة الرقمية، والاستفادة من التكنولوجيا في ربط الجاليات بمؤسسات الدولة.كما حضرت قضية الاستثمار بقوة، من خلال الدعوات لتهيئة ظروف ملاءمة لاستثمار المغتربين في بلدهم، وتوفير التحفيزات، ومواكبة المشاريع، الاستفادة من الخبرات الأكاديمية والمهنية، وربط الكفاءات بالجامعات والمؤسسات الوطنية، وتوظيف تجاربها تطويرا للتعليم والتكوين.أما البطالة، فحضرت هي الأخرى في خلفية كثير من المداخلات، خصوصا حين قارن بعض أصحاب الخبرات بين فرص العمل والاحتضان المهني التي وجدوها في بلدان الإقامة، وما يخشون مواجهته إذا قرروا العودة لموريتانيا بفعل "ضعف استيعاب الكفاءات وغياب بيئة مهنية جاذبة".